قال ابن القيم ﵀: فإن العبد إذا وقع في الذنب خرج من قلبه تلك الغلظة والقسوة، والكيفية الغضبية التي كانت عنده لمن صدر منه ذنب، حتى لو قدر عليه لأهلكه، وربما دعا اللَّه عليه أن يهلكه ويأخذه، غضبًا منه لله، وحرصًا على ألا يعصى. فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين الخاطئين، ولا يراهم إلا بعين الاحتقار والازدراء، ولا يذكرهم إلا بلسان الطعن فيهم، والعيب لهم والذم. فإذا جرت عليه المقادير وخُلي ونفسه واستغاث اللَّه والتجأ إليه، وتململ بين يديه تململ السليم، ودعاه دعاء المضطر، فتبدلت تلك الغلظة على المذنبين رقة، وتلك القساوة على الخاطئين رحمة ولينًا، مع قيامه بحدود اللَّه، وتبدَّل دعاؤه عليهم دعاءً لهم، وجعل لهم وظيفة من عمره، يسأل اللَّه أن يغفر لهم.
فما أنفعه من مشهد! وما أعظم جدواه عليه (٣)، واللَّه أعلم.
_________________
(١) «مدارج السالكين» لابن القيم ﵀ (ج ١ ص: ٣٩٠: ٣٩١). (قل).
(٢) ما حكم الصدقة بالمال الحرام؟ راجع الإجابة عن هذا السؤال في كتاب «جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي (الحديث العاشر: قوله - ﷺ -: «إن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبًا» (ص: ٨٧ ص: ٩٠) وهو حديث صحيح رواه مسلم. وراجع كتابنا «الطيبات من الرزق». (قل).
(٣) «مدارج السالكين» لابن القيم ﵀ (ج ١ ص ٤٢٦). (قل).
[ ٤٨ ]