اعلم أن قيام الليل صعب إلا من وفق للقيام بشروطه الميسرة له.
فمن الأسباب ظاهر، ومنها باطن.
فأما الظاهر: فأن لا يكثر الأكل، كان بعضهم يقول: يا معشر المريدين، لا تأكلوا كثيرًا فتشربوا كثيرًا فتناموا كثيرًا فتخسروا كثيرًا.
ومنها: أن لا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال الشاقة.
ومنها: أن لا يترك القيلولة بالنهار، فإنها تعين على قيام الليل (١).
ومنها: أن يجتنب الأوزار.
قال الثوري: حُرمتُ قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته.
وأما الميسرات الباطنة:
فمنها: سلامة القلب للمسلمين، وخلوه من البدع، وإعراضه عن فضول الدنيا.
ومنها: خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل.
ومنها: أن يعرف فضل قيام الليل.
ومن أشرف البواعث على ذلك الحب لله تعالى، وقوة الإيمان بأنه إذا قام ناجى ربه، وأنه حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام.
قال أبو سليمان ﵀: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.
وفي «صحيح مسلم» عن النبي - ﷺ - قال: «إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل اللَّه فيها خيرًا إلا آتاه إياه، وذلك كل ليلة». انتهى. من «مختصر منهاج القاصدين».
_________________
(١) ويمكن القول واللَّه أعلم: (القيلولة للقيام، كالسحور للصيام) والمقصود بالقيلولة النوم وقت الظهيرة. (قل).
[ ٩٥ ]
فائدة:
في «الصحيحين» أن رسول اللَّه - ﷺ - قال لعبد اللَّه بن عمرو: «لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل».
ومن أعظم ما يعين على قيام الليل: النوم على طهارة والمواظبة على أذكار النوم خاصة التسبيح وقراءة آية الكرسي - كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في باب الذكر - فمن كان آخر كلامه قبل النوم ذكر اللَّه تعالى سهل عليه القيام، وإن انتبهت من النوم وكسلت عن القيام فأذن أذانًا يسمع اليقظان ولا يوقظ النائم، فالأذان يطرد الشيطان.
روى مسلم في «صحيحه» عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء». قال الراوي: و(الروحاء) من المدينة على بعد ستة وثلاثين ميلًا. ولقوله - ﷺ - في «الصحيحين»: «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين». وهو أيضًا - أي: الأذان - ذكر، والذكر يحل من عقد الشيطان، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد! فإن استيقظ فذكر اللَّه تعالى انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان». متفق عليه. قافية (الرأس) مؤخره.
ومن فوائد هذا الحديث كون المرء يفتتح قيامه بالليل بركعتين خفيفتين ثم يصلي بعدهما ما شاء، فإن ذلك هو هدي النبي - ﷺ - وأمره، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا قام من الليل يصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين». رواه مسلم. لأنه إذا صلى - كما في الحديث - انحلت عقده كلها. ويكون عنده عون على باقي القيام، وإن نوى القيام قبل نومه فغلبته عينه حتى أصبح كتب له ما نوى، فعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه». رواه النسائي وغيره وحسنه الألباني في «صحيح الجامع».
تنبيه:
قيام الليل يبدأ من بعد صلاة العشاء والأفضل أن يكون عقب نوم - كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى.
[ ٩٦ ]
فائدة:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «ينزل ربنا ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» رواه الجماعة. أي: ينزل ﷾ نزولًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قال ابن كثير ﵀: المسلك الأسلم طريقة السلف، وهو إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف، ولا تحريف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فلا نشبه مثل المشبهين الذين يقولون: له سمع كأسماعنا، وله بصر كأبصارنا، ولا نعطل مثل المعطلين الذين يقولون: ليس له سمع ولا بصر، وإنما نقول: له سمع وبصر يليقان بجلال وجهه وعظيم سلطانه.
ولما سئل الإمام مالك عن الاستواء قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة أخرجوا هذا المبتدع.
تنبيه:
سأل رسول اللَّه - ﷺ - الجارية - وكانت مع سَيدها - كما في «صحيح مسلم»: «أين اللَّه؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول اللَّه. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة».
فائدة: