٦٠ - إجابة الله سبحانه للدَّاعين
لا يزال الحديثُ ماضيًا بنا عن بيان مكانةِ الدعاءِ وفضلِه ورِفعةِ شأنِه عند الله ﵎؛ فإنَّ من فضل الدعاء أنَّ الله ﵎ وعدَ مَن دعاه أن يجيب دعاءَه ويحقِّقَ رجاءَه، ويُعطيَه سُؤْلَه، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١، وهذا من فضله ﵎ وكرمِه أنَّه ندبَ عبادَه إلى دعائه وتكفَّلَ لهم بالإجابة، وأحبَّ منهم أن يُكثروا من دعائه وسؤاله، كما قال سفيان الثوري ﵀: " يا مَن أحبُّ عباده إليه مَن سأله فأكثر سؤاله، ويا مَن أبغضُ عباده إليه مَن لَم يسأله، وليس كذلك غيرُك يا ربِّ "، رواه ابن أبي حاتم وغيرُه٢.
لقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديثُ كثيرةٌ في الترغيب في الدعاء ببيان أنَّ الله تبارك يُعطي السائلين ويُجيب الدَّاعين، ولا يُخيب رجاء المؤمنين، فهو سبحانه حيِّيٌّ كريم، أكرمُ مِن أن يردَّ مَن دعاه أو يخيبَ من ناجاه أو يمنع مَن سأله.
روى أبو داود، والترمذي، وغيرُهم بإسنادٍ جوَّده الحافظ في الفتح عن سلمان الفارسي ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إنَّ اللهَ حَيِيٌّ
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآية: (٦٠) . ٢ انظر: تفسير ابن كثير (٤/٨٥) .
[ ٢ / ٢٦ ]
كريمٌ يستحيي مِن عبده إذا رفع يديه إليه أن يردَّهما صِفْرًا "١، أي: خالية.
وفي حديث النزول الإلهي يقول ﷺ: " ينزل ربُّنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثُلث الليل الآخر فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني فأعطيَه، مَن يستغفرني فأغفرَ له " ٢، وهو حديث متواتر رواه عن النبيِّ ﷺ جمعٌ من الصحابة بلغ عددُهم ثمانية وعشرين صحابيًا.
وجاء في الحديث القدسي في بيان منزلة أولياء الله المتقين عند الله، أنَّ اللهَ ﵎ يقول: " مَن عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ ممَّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنتُ سَمْعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يَبطِش بها، ورِجلَه التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه "، رواه الإمام البخاري في صحيحه٣.
إنَّ هذه الأحاديث وما جاء في معناها تدلُّ أبين دلالة على أنَّ الله ﵎ لا يردُّ مَن سأله من عباده المؤمنين، ولا يخيب مَن رجاه، لكن قد استُشكل هذا، كما ذكر الحافظ ابن حجر بأنَّ جماعةً من
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:١٤٨٨)، وسنن الترمذي (رقم:٣٥٥٦)، وصحيح ابن حبان (رقم:٨٧٦)، وفتح الباري (١١/١٤٣) . ٢ صحيح البخاري (رقم:١١٤٥)، (٦٣٢١)، (٧٤٩٤)، وصحيح مسلم (رقم:٧٥٨) . ٣ صحيح البخاري (رقم:٦٥٠٢) .
[ ٢ / ٢٧ ]
العُبَّاد والصُلحاء دَعَوا وبالغوا ولَم يُجابوا، قال ﵀: " والجواب أنَّ الإجابةَ تتنوَّع، فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور، وتارة يقع ولكن يتأخَّر لحكمةٍ، وتارة قد تقع الإجابةُ ولكن بغير عين المطلوب حيث لا يكون في المطلوب مصلحةٌ ناجزةٌ، وفي الواقع مصلحةٌ ناجزةٌ أو أصلحُ منها "١، وقال ﵀: " إنَّ كلَّ داعٍ يُستجاب له، لكن تتنوَّع الإجابةُ فتارة تقع بعين ما دعا به وتارة بعِوض "٢، وقد ورد في هذا المعنى الذي ذكره ﵀ أحاديث عديدة، منها:
ما رواه الترمذي، والحاكم، وصححه الحافظ ابن حجر من حديث عُبادة بن الصامت ﵁ رفعه: " ما على الأرض مسلمٌ يدعو بدعوة إلاَّ أتاه الله إيَّاها أو صرف عنه من السوء مثلَها "٣.
وروى الإمام أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والحاكم، وغيرهم عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " ما مِن مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحِم إلاَّ أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إمَّا أن يُعجِّل له دعوتَه، وإمَّا أن يدَّخِرها له في الآخرة، وإمَّا أن يصرفَ عنه من السوء مثلَها، قالوا: يا رسول الله إذًا نُكثر، قال: الله أكثر "٤.
_________________
(١) ١ فتح الباري (١١/٣٤٥) . ٢ فتح الباري (١١/٩٥ - ٩٦) . ٣ سنن الترمذي (رقم:٣٥٧٣)، فتح الباري (١١/٩٦) . ٤ المسند (٣/١٨)، والأدب المفرد (رقم:٧١٠)، والمستدرك (١/٤٩٣)، وصححه العلامة الألباني ﵀ في صحيح الأدب (رقم:٥٤٧) .
[ ٢ / ٢٨ ]
فقد أخبر الصادقُ المصدوق في هذه الأحاديث أنَّه لا بدَّ في الدعوةِ الخالية من العدوان من إعطاء السُؤل معجَّلًا أو مثلِه من الخير مؤجَّلًا أو يصرفُ عنه من السوء مثله، وبهذا يتبيَّن أنَّ إجابةَ الداعي في سؤاله أعمُّ من إعطائه عينَ المسؤول.
فهذا هو جواب الاستشكال السابق، وقد ذكر أهل العلم أيضًا جوابين آخرين:
أحدهما: أنَّ إجابةَ الداعي لَم تضمَّن عطيَّة السؤال مطلقًا، وإنّما تضمَّنت إجابة الداعي، والداعي أعمُّ من السائل، وإجابةُ الداعي أعمُّ من إعطاء السائل كما تقدَّم معنا في حديث النزول التفريق بينهما بقوله سبحانه: " مَن يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني فأعطيه "، ففرق بين الداعي والسائل، وبين الإجابة والإعطاء، لكن الاستشكال مع هذه الإجابة قائمٌ من جهة أنَّ السائلَ أيضًا موعودٌ بالإعطاء كما في الحديث المتقدِّم.
الجواب الثاني: أنَّ الدعاءَ في اقتضائه الإجابة شأنه كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها الإثابة، فالدعاءُ سببٌ مقتضٍ لنيل المطلوب والسبب له شروط وموانع، فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب، وإلاَّ فلا يحصل ذلك المطلوب، كما هو الشأن في قبول الأعمال الصالحة والكلمات الطيِّبة، وللموضوع صلة
[ ٢ / ٢٩ ]