٩٤ - استقبال الداعي القبلة
إنَّ من آداب الدعاء أن يستقبلَ الداعي القبلةَ وقت دعائه، ذلك أنَّ القبلةَ هي الجهة الفاضلة التي أُمر المسلمون بالاتّجاه إليها في عبادتهم، فكما أنَّها قبلةٌ للمسلمين في الصلاة فهي قبلةٌ لهم في الدعاء، وقد ثبت استقبالُ النبي ﷺ للقبلة عند دعائه في أحاديث عديدة.
من ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " استقبل النبي ﷺ الكعبةَ فدعا على نفر من قريش، على شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأبي جهل بن هشام، فأشهد بالله لقد رأيتهم صرعى قد غيّرتهم الشمس وكان يومًا حارًاّ "١.
وخرّج مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: " لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا فاستقبل نبيُّ الله ﷺ القبلةَ ثمَّ مدَّ يديه، فجعل يهتف بربِّه: اللَّهمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللَّهمَّ آتِ ما وعدتني، اللَّهمَّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض، فما زال يهتف بربِّه مادًاّ يديه مستقبلَ القبلة حتى سقط رداؤُه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءَه فألقاه على منكبيه ثمَّ التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتُك ربَّك، فإنَّه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٣٩٦٠)، وصحيح مسلم (٣/١٤٢٠) .
[ ٢ / ١٩٨ ]
مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ١ فأمدَّه الله بالملائكة "٢.
وخرّج البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد قال: " خرج النبيُّ ﷺ إلى هذا المصلَّى يستسقي فدعا واستسقى ثمَّ استقبل القبلة وقلب رداءَه "٣.
وثبت كذلك استقبالُ القبلة في الدعاء في الحج على الصفا والمروة وفي عرفة وعند المشعر الحرام وعند الجمرة الأولى والثانية، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي تدلُّ على مشروعية استقبال القبلة وقت الدعاء، وأنَّ ذلك أفضلُ وأكملُ للداعي، على أنَّ ذلك ليس لازمًا ولا واجبًا في الدعاءِ؛ لأنَّ النبي ﷺ ثبت عنه أنَّه دعا وهو غير مستقبل القبلة، وقد عقد الإمام البخاري في كتاب الدعوات من صحيحه بابًا بعنوان " الدعاء غير مستقبل القبلة "، وخرّج فيه حديث أنس بن مالك ﵁ قال: " بينا النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله ادع اللهَ أن يسقينا، فتغيّمت السماء ومطرنا حتى ما كاد الرجلُ يَصِل إلى منزله، فلم تزل تمطر إلى الجمعة المقبلة، فقام ذلك الرجل أو غيرُه فقال: ادع اللهَ أن يصرفه عنّا، فقد غرقنا، فقال: اللَّهمَّ حوالَينا ولا علَينا، فجعل السّحابُ يتقطّع حول المدينة ولا يمطرُ أهلَ المدينة "٤، ومعلومٌ أنَّ الخطيب وقت الخطبة يكون معطيًا القبلة ظهره، فهذا فيه دلالة على أنَّ استقبال القبلة ليس شرطًا في الدعاء، لكنَّه هو
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية: (٩) . ٢ صحيح مسلم (رقم:١٧٦٣) . ٣ صحيح البخاري (رقم:١٠٢٣، ٦٣٤٣)، وصحيح مسلم (رقم:٨٩٤) . ٤ صحيح البخاري (رقم:٦٣٤٢) .
[ ٢ / ١٩٩ ]
الأولى والأكمل، قال شيخ الإسلام: " ولهذا كان النبي ﷺ إذا اجتهد في الدعاء يستقبلها كما فعله في أثناء الاستسقاء الذي رفع فيه يديه رفعًا تامًاّ، فعن عباد بن تميم عن عمّه: " أنَّ رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقي، فصلّى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما وحوّل رداءه، ورفع يديه فدعى واستسقى واستقبل القبلة " ١، رواه الجماعة أهل الصحاح والسنن والمسانيد، كالبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم، فأخبر أنَّه استقبل القبلةَ التي هي قبلة الصلاة في أثناء دعاء الاستسقاء "٢.
وقال ﵀: " إنَّ المسلمين مجمعون على أنَّ القبلة التي يُشرع للداعي استقبالها حين الدعاء هي القبلة التي شرع استقبالها حين الصلاة، فكذلك هي التي شرع استقبالها حين ذكر الله كما تستقبل بعرفة والمزدلفة وعلى الصفا والمروة، وكما يستحب لكلِّ ذاكرٍ لله وداعٍ أن يستقبل القبلةَ كما ثبت عن النبي ﷺ أنَّه كان قد يقصد أن يستقبل القبلة حين الدعاء، كذلك هي التي يشرع استقبالها بتوجه الميِّت إليها، وتوجيه النسائك والذبائح إليها، وهي التي يُنهى عن استقبالها بالبول والغائط، فليس للمسلمين بل ولا لغيرهم قبلتان أصلًا في العبادات التي هي من جنسين كالصلاة والنسك فضلًا عن العبادات التي هي من جنس واحد وبعضها متصلٌ ببعض، فإنَّ الصلاةَ فيها الدعاء في الفاتحة وغيرها، والدعاء نفسه هو الصلاة، قد سمّاه الله في كتابه صلاةً
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري (رقم:١٠٢٤) . ٢ انظر: نقض التأسيس لابن تيمية (٢/٤٥٩) .
[ ٢ / ٢٠٠ ]
حيث قال: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ١، وفي الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى " أنَّ النبي ﷺ كان إذا أتاه قومٌ بصدقتهم صلّى عليهم، وإنَّ أبي أتاه بصدقةٍ فقال: اللَّهمَّ صلِّ على آل أبي أوفى "٢، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٣، وقد علّم النبي ﷺ أمَّتَه الصلاةَ عليه في غير حديث في الصحاح وغيرها، وفي جميعها إنَّما يعلّمها الدعاء له بصلاة الله وبركاته " إلى آخر كلامه رحمه الله٤.
وقد ذكر ذلك في سياق ردِّه على مَن ينكر علوَّ الله كالجهمية ومَن تأثَّر بهم مِن أهل الأهواء حيث يزعمون أنَّ رفعَ الأيدي في الدعاء إلى العلوِّ إنَّما يُشرع لأنَّ السماءَ قبلةُ الدعاء كما أنَّ الكعبة قبلةُ الصلاة، فجعلوا بذلك قبلتين للمسلمين قبلةً للدعاء وهي السماء، وقبلةً للصلاة وهي الكعبة، وقد ألجأهم إلى هذا التقرير الفاسد إنكارُهم لعلوِّ الربِّ ﵎ على خلقه، وتعسُّفُهم في حمل النصوص الكثيرة الدالّة على علوِّ الله على غير وجهها ومرادها بأنواعٍ من التأويلات، وصنوفٍ من التحريفات التي هي في الحقيقة نوعٌ من الإلحاد في آيات الله وأسمائه وصفاته، والله يقول: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥، ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: (١٠٣) . ٢ صحيح البخاري (رقم:١٤٩٧)، وصحيح مسلم (رقم:١٠٧٨) . ٣ سورة الأحزاب، الآية: (٥٦) . ٤ نقض التأسيس (٢/٤٥٢ - ٤٥٣) . ٥ سورة الأعراف، الآية: (١٨٠) .
[ ٢ / ٢٠١ ]