٢٩ / فضائل الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر
إنَّ خير الكلام وأفضل الذِكر بعد القرآن الكريم أربعُ كلمات، لهنَّ قدرٌ رفيعٌ وشأنٌ عظيمٌ ومكانةٌ عاليةٌ في دين الله، هنّ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وقد ورد في فضل هذه الكلمات الأربع نصوصٌ كثيرةٌ تدل دلالةً قويةً على عظم شأن وقدر هذه الكلمات، وما يترتّب على القيام بهنَّ من أجورٍ عظيمةٍ وأفضالٍ كريمةٍ، وخيراتٍ متواليةٍ في الدنيا والآخرة.
ولعلنا نستعرض بعضَ فضائل هذه الكلمات من خلال بعض النصوص الواردة في ذلك:
١ - فمن فضائل هذه الكلمات: أنَّهنَّ أحب الكلام إلى الله، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أحب الكلام إلى الله تعالى أربع، لا يضرك بأيّهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" ١، ورواه الطيالسي في مسنده بلفظ: "أربع هنَّ من أطيب الكلام، وهنّ من القرآن، لا يضرك بأيِّهنَّ بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"٢.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢١٣٧) . ٢ مسند الطيالسي (ص:١٢٢) .
[ ١ / ١٥٦ ]
٢ - ومن فضائلهنَّ: أنَّ النبي ﷺ أخبر أنّهنَّ أحبُّ إليه مما طلعت عليه الشمس (أي من الدنيا وما فيها)، لما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحبُّ إلي ممّا طلعت عليه الشمس" ١.
٣ - ومن فضائلهن: ما ثبت في مسند الإمام أحمد، وشعب الإيمان للبيهقي بإسناد جيّد عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: مرّ بي رسول الله ﷺ فقلتُ: إنِّي قد كبرتُ وضعُفت - أو كما قالت - فمُرني بعمل أعمله وأنا جالسة. قال: "سبّحي اللهَ مائة تسبيحة، فإنَّها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة، تعدل لكِ مائة فرس مُسرجة ملجمة تحملين عليها في سبيل الله، وكَبِّري اللهَ مائة تكبيرة فإنَّها تعدل لك مائة بدَنة مُقلّدة متقبّلَة، وهلِّلي مائة تهليلة - قال ابن خلف (الراوي عن عاصم) أحسبه قال ـ: تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع يومئذ لأحدٍ عملٌ إلا أن يأتي بمثل ما أتيتِ به" ٢. قال المنذري: رواه أحمد بإسناد حسن٣. وحسّن إسناده العلامة الألباني حفظه الله٤.
وتأمَّل هذا الثواب العظيم المترتِّب على هؤلاء الكلمات، فمن
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٦٩٥) . ٢ المسند (٦/٣٤٤)، شعب الإيمان (رقم:٦١٢) . ٣ الترغيب والترهيب (٢/٤٠٩) . ٤ السلسلة الصحيحة (٣/٣٠٣) .
[ ١ / ١٥٧ ]
سبّح اللهَ مائة، أي قال: سبحان الله مائة مرّة فإنَّها تعدل عِتق مائة رقبة من ولد إسماعيل، وخصَّ بني إسماعيل بالذِّكر لأنَّهم أشرفُ العرب نَسبًا، ومن حَمِد الله مائة، أي من قال: الحمد لله مائة مرّة كان له من الثواب مثل ثواب من تصدّق بمائة فرس مسرجةٍ ملجمةٍ، أي عليها سراجها ولجامها لحمل المجاهدين في سبيل الله، ومن كبّر اللهَ مائة مرّة، أي قال: الله أكبر مائة مرّة كان له من الثواب مثلُ ثواب إنفاق مائة بدنةٍ مقلّدةٍ متقبّلةٍ، ومن هلّل مائة، أي قال: لا إله إلا الله مائة مرة فإنَّها تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يُرفع لأحدٍ عملٌ إلا أن يأتي بمثل ما أتى به.
٤ - ومن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّهنَّ مكفِّرات للذنوب، فقد ثبت في المسند، وسنن الترمذي، ومستدرك الحاكم من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: " ما على الأرض رجل يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلا كُفِّرت عنه ذنوبُه ولو كانت أكثر من زَبَد البحر"، حسنه الترمذي، وصححه الحاكم وأقرَّه الذهبي، وحسّنه الألباني١.
والمراد بالذنوب المكفَّرة هنا أي الصغائر، لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ
_________________
(١) ١ المسند (٢/١٥٨،٢١٠)، وسنن الترمذي (رقم:٣٤٦٠)، ومستدرك الحاكم (١/٥٠٣)، وصحيح الجامع (رقم:٥٦٣٦)
[ ١ / ١٥٨ ]
ما بينهنَّ إذا اجتُنبت الكبائر"١، فقيّد التكفير باجتناب الكبائر؛ لأنَّ الكبيرة لا يُكفِّرها إلا التوبة.
وفي هذا المعنى ما رواه الترمذي وغيره عن أنس بن مالك ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ مرّ بشجرة يابسة الورق فضربها بعصاه فتناثر الورق، فقال رسول الله ﷺ: "إنَّ الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لَتُساقط من ذنوب العبد كما تَساقط ورق هذه الشجرة"، وحسّنه الألباني٢.
٥ - ومن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّهنَّ غرس الجنة، روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لقيت إبراهيم ليلة أُسري بي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلامَ، وأخبِرهم أنَّ الجنةَ طيِّبةُ التربة، عذبةُ الماء، وأنَّها قيعان، غِراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر "٣، وفي إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن إسحاق، لكن للحديث شاهدان يتقوى بهما من حديث أبي أيوب الأنصاري، ومن حديث عبد الله بن عمر.
والقيعان جمع قاع، وهو المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه ماء السماء، فيمسكه ويستوي نباته، كذا في النهاية لابن الأثير٤، والمقصود أنَّ الجنة ينمو غراسها سريعًا بهذه الكلمات كما
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٣٣) . ٢ سنن الترمذي (رقم:٣٥٣٣)، وصحيح الجامع (رقم:١٦٠١) . ٣ سنن الترمذي (رقم:٣٤٦٢)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم:١٠٥) .
[ ١ / ١٥٩ ]
ينمو غراس القيعان من الأرض ونبتها.
٦ - ومن فضائلهنَّ: أنَّه ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام يكثر تكبيره وتسبيحه وتهليله وتحميده، روى الإمام أحمد، والنسائي في عمل اليوم والليلة بإسناد حسن عن عبد الله بن شداد: أنَّ نفرًا من بني عُذْرَة ثلاثةً أتوا النبيَّ ﷺ فأسلموا قال: فقال النبي ﷺ: "من يكفينيهم" قال طلحةُ: أنا، قال: فكانوا عند طلحة فبعث النبي ﷺ بعثًا فخرج فيه أحدُهم فاستشهدَ، قال: ثم بَعَثَ بعثًا آخر، فخرج فيهم آخر فاستشهد، قال: ثم مات الثالثُ على فراشه، قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في الجنة، فرأيت الميت على فراشه أمامهم، ورأيت الذي استُشهد أخيرًا يليه، ورأيت الذي استُشهد أولَهم آخرَهم، قال: فدخلني من ذلك، قال: فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، قال: فقال رسول الله ﷺ: "ما أنكرتَ من ذلك، ليس أحدٌ أفضل عند الله من مؤمن يُعمّرُ في الإسلام يَكثُر تكبيرُه وتسبيحُه وتهليله وتحميده"١.
وقد دلّ هذا الحديث العظيم على عِظم فضل من طال عمرُه وحسُن عملُه، ولم يزل لسانُه رَطْبًا بذكر الله ﷿، وللحديث صلة وبالله وحده التوفيق.
_________________
(١) ١ المسند (١/١٦٣)، والسنن الكبرى للنسائي كتاب: عمل اليوم والليلة (٦/رقم:١٠٦٧٤)، وحسنه العلامة الألباني في الصحيحة (رقم:٦٥٤) .
[ ١ / ١٦٠ ]