لايزال الحديث موصولًا في بيان فوائد الذِّكر، وقد مرَّ معنا فيما سبق ذكرُ فائدةٍ واحدةٍ له وهي: أنّه حِرزٌ لصاحبه من الشيطان، فمن خلى من الذِّكر لازمه الشَّيطان ملازمة الظِّلِّ، والله يقول: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ١ ولا يستطيع العبدُ أن يُحْرِزَ نفسه من الشيطان إلاّ بذكر الله تعالى، وهذه فائدةٌ جليلةٌ من فوائد الذِّكر العديدة.
وكما مرَّ بنا فإنّ الإمام العلاّمة ابن القيِّم ﵀ عدّ في كتابه القيِّم الوابلُ الصّيِّب ما ينيف على السَّبعين فائدة للذِّكر، ونستكمل هنا بعضَ تلك الفوائد العظيمة، ممّا أورده ﵀ في كتابه المُشار إليه آنفا٢.
ـ فمن فوائد ذكر الله العظيمة: أنّه يجلُبُ لقلب الذَّاكر الفرَحَ والسرورَ والرَّاحةَ، ويورثُ القلبَ السكونَ والطُّمأنينةَ، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ ٣، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: يزول ما فيها من قلقٍ أو اضطراب، ويكون فيها بدَلَ ذلك الأنسُ والفرحُ والرَّاحة، وقوله: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ أي: حقيقٌ بها وحَرِيٌّ أن لا تطمئنَّ
_________________
(١) ١ سورة الزخرف، الآية: (٣٦) . ٢ وانظر: الوابل الصيب (ص:٨٤ - ١٠٠) و(ص:١٤٥) . ٣ سورة الرعد، الآية: (٢٨) .
[ ١ / ١٧ ]
لشيءٍ سوى ذكره ﵎.
بل إنّ الذكرَ هو حياةُ القلب حقيقةً، وهو قوتُ القلب والرّوح، فإذا فقده العبدُ صار بمنزلة الجسم إذا حيلَ بينَه وبين قوتِه، فلا حياةَ للقلب حقيقةً إلاّ بذكر الله، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الذِّكرُ للقلب مثلُ الماء للسَّمك، فكيف يكون حالُ السَّمك إذا فارق الماء"١.
ـ ومن فوائد ذكر العبد لِلَّه: أنّه يورثُه ذكرَ الله له، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ٢.
وفي الصّحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربِّه ﵎: "من ذكرَني في نفسِه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم" ٣.
ـ ومن فوائده: أنّه يحطُّ الخطايا ويُذهبُها، ويُنجّي الذّاكرَ من عذاب الله، ففي المسند عن معاذ بن جبل ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما عمل آدميٌّ عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله تعالى"٤.
ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه يترتّبُ عليه من العطاء والثّواب والفضل ما لا يترتَّبُ على غيره من الأعمال، مع أنَّه أيسرُ العبادات؛ فإنَّ حركة
_________________
(١) ١ انظر: الوابل الصيب لابن القيم (ص:٨٥) . ٢ سورة البقرة، الآية: (١٥٢) . ٣ صحيح البخاري (رقم:٧٤٠٥)، وصحيح مسلم (رقم:٢٦٧٥) . ٤ المسند (٥/٢٣٩)، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع (رقم٥٦٤٤) .
[ ١ / ١٨ ]
اللسان أخفُّ حركات الجوارح وأيسرُها، ولو تحرّك عضو من الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشقّ عليه غاية المشقّة، بل لا يمكنُه ذلك، ومع هذا فالأجور المترتِّبة عليه عظيمةٌ والثّوابُ جزيلٌ.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من قال لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ في يومٍ مائة مرّة كانت له عدلُ عشر رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيِّئة، وكانت له حِرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل ممّا جاء به إلاّ رجلٌ عمل أكثر منه"١.
وفي الصّحيحين أيضًا عن النبي ﷺ أنّه قال: " من قال سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرّة حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زَبَدِ البحر"٢.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لأَن أقول سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر أحبُّ إليَّ ممّا طلعت عليه الشّمسُ "٣، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه غِراسُ الجنَّة، فالجنّة كما جاء في الحديث قيعانٌ، وهي طيِّبةُ التُّربة، عذبة الماء، وغِراسُها ذكرُ الله، فقد روى الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٣٢٩٣،٦٤٠٣)، وصحيح مسلم (رقم:٢٦٩١) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٦٤٠٥)، وصحيح مسلم (رقم:٢٦٩١) . ٣ صحيح مسلم (رقم:٢٦٩٥) .
[ ١ / ١٩ ]
رسول الله ﷺ: "لقيتُ ليلةَ أُسريَ بي إبراهيمَ الخليل ﵇ فقال: يا محمّد أَقرئ أُمَّتك منّي السلام، وأخبِرهُم أنّ الجنّة طيِّبةُ التُّربة، عذبةُ الماء، وأنّها قيعانٌ، وأنَّ غِراسَها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر"، قال الترمذي: حديث حسنٌ غريبٌ من حديث ابن مسعود١.
ورواه الإمامُ أحمد من حديث أبي أيُّوب الأنصاري ﵁، ولفظه: " أنّ رسول الله ﷺ ليلة أُسري به مرَّ على إبراهيم فقال: مَنْ معك يا جبريلُ؟ قال: هذا محمّد، فقال له إبراهيم: مُرْ أمتك فليُكثروا من غِراس الجنّة، فإنّ تربتَها طيِّبة وأرضَها واسعةٌ، قال: وما غِراسُ الجنَّة؟ قال: لا حول ولا قوَّةَ إلاّ بالله". فهذا شاهدٌ للحديث الّذي قبله٢.
وروى الترمذي من حديث أبي الزُّبير، عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ: "من قال: سبحان الله وبحمده، غُرِست له نخلةٌ في الجنَّة"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح٣.
ورواه الإمامُ أحمد من حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "من قال: سبحان الله العظيم، نبت له غرسٌ في الجنّة"٤.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي (رقم:٣٤٦٢)، وحسنه الألباني بما له من الشواهد في السلسلة الصحيحة (رقم:١٠٥) . ٢ المسند (٥/٤١٨) . ٣ سنن الترمذي (رقم:٣٤٦٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم:٦٤٢٩) . ٤ المسند (٣/٤٤٠) .
[ ١ / ٢٠ ]
ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه يكون نورًا للذَّاكر في الدنيا، ونورًا له في قبره، ونورًا له في مَعَاده، يسعى بين يديه على الصِّراط، فما استنارَت القلوبُ والقبورُ بمثل ذكر الله تعالى.
قال اللهُ تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ١.
فالأوّل: هو المؤمن، استنار بالإيمان بالله ومحبَّته ومعرِفتِه وذكرِه.
والآخرُ: هو الغافلُ عن الله تعالى، المعرِضُ عن ذكره ومحبَّته.
والشَّأنُ كلُّ الشَّأن والفلاحُ كلُّ الفلاح في النّور، والشَّقاءُ كلُّ الشَّقاءِ في فَواتِه، ولهذا كان النبي ﷺ يُكثِرُ من سُؤال الله ﵎ ذلك بأن يجعَلَه في كلِّ ذرّاته الظّاهرة والباطنة، وأن يجعلَه محيطًا به من جميع جهاته، وأن يجعل ذاتَه وجملَتَه نورًا.
فقد خرّج مسلمٌ في صحيحه من حديث عبد الله بن عبّاس ﵄ في ذكر دعاء النَّبيّ ﷺ باللّيل قال: "وكان في دعائه اللهمّ: اجعلْ في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخَلْفي نورًا، وعظِّم لي نورًا "، قال كُرَيب - أَحَدُ رواة الحديث ـ: وسبعًا في التَّابوت. فلَقيتُ بعضَ ولَد العبّاس فحدّثني بهنَّ، فذكر: عصبي، ولحمي، ودمي، وشعري، وبشَري، وذكر خصلتين٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية: (١٢٢) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٧٦٣) .
[ ١ / ٢١ ]
فالذِّكرُ نورٌ لِقلب الذَّاكر ووجهِه وأعضائِه، ونورٌ له في دنياه وفي البرزخ وفي يوم القيامة.
ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه يوجبُ صلاةَ الله ﷿ وملائكتِه على الذّاكر، ومن صلَّى اللهُ عليه وملائِكتُه فقد أفلح كلَّ الفلاح، وفاز كلَّ الفوز، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينِ رَحِيمًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية: (٤١،٤٢،٤٣) .
[ ١ / ٢٢ ]