لا ريب أنَّ [من] أجلِّ نِعم الله على الإطلاق وأشرفِها وأعظمِها نعمةُ إنزالِه الكتاب العظيم على عبده ورسوله نبيّنا محمد ﷺ، فهذه نعمةٌ عظمَى ومنّة كبرى امتنّ الله بها على عباده وحمد نفسه عليها وتمدّح إلى عباده بها، وبيّن عظم شأنها في آيٍ كثيرة من القرآن.
يقول الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلاَ للهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِيُن عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ﴾ ٤.
إنَّ لشهر رمضان الكريم شهر الصوم خصوصيةً بالقرآن، فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم هدى للنّاس. وقد امتدح الله تعالى في الآية الكريمة المتقدّمة شهرَ الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهنَّ لإنزال القرآن العظيم، بل قد ورد في الحديث بأنَّه الشهرُ الذي كانت الكتبُ الإلهيةُ تنزل فيه على الأنبياء، ففي المسند للإمام
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآية: (١) . ٢ سورة الزمر، الآيات: (١ - ٣) . ٣ سورة الشعراء، الآيات: (١٩٢ - ١٩٥) . ٤ سورة البقرة، الآية: (١٨٥)
[ ١ / ٦٧ ]
أحمد، والمعجم الكبير للطبراني، من حديث واثلة بن الأسقع أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أُنزلت صُحُفُ إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراةُ لِسِتٍّ مضين من رمضان، والإنجيلُ لثلاث عشرةَ خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان"١.
قال الهيثمي: "وفيه عمران بن داود القطان، ضعّفه يحيى ووثّقه ابن حبان. وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث، وبقيّة رجاله ثقات"٢.
وله شاهدٌ من حديث جابر ﵁ أخرجه أبو يعلى في مسنده٣ بنحو الحديث المتقدّم، وفي إسناده سفيان بن وكيع وهو ضعيف.
وله شاهدٌ آخر يرويه ابن عساكر في تاريخه من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس وهو منقطعٌ، فعليٌّ لم ير ابن عباس ﵄.
فإن صحّ هذا الحديث فهو يدلّ على أنَّ شهر رمضان هو الشهر الذي كانت تنزل فيه الكتب الإلهية على الرسل ﵈.
إلاّ أنّها كانت تنزل على النبيّ الذي أنزلت عليه جملةً واحدةً، وأمّا القرآن الكريم فلمزيد شرفه وعظيم فضله، فإنَّما نزل جملةً واحدةً إلى بيت العزّة من السماء الدنيا، وكان ذلك في ليلة القدر من شهر رمضان
_________________
(١) ١ المسند (٤/١٠٧)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/رقم:١٨٥)، وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم:١٥٧٥) . ٢ مجمع الزوائد (١/١٩٧) . ٣ مسند أبي يعلى (رقم:٢١٨٧)
[ ١ / ٦٨ ]
المبارك. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ ٣، فدلّت هذه الآياتُ الثلاث على أنَّ القرآن الكريم أنزل في ليلةٍ واحدةٍ، توصف بأنَّها ليلةٌ مباركةٌ وهي ليلة القدر، وهي من ليالي شهر رمضان المبارك، ثم بعد ذلك نزل مفرّقًا على مواقع النّجوم يتلو بعضه بعضًا، هكذا روي عن ابن عباس ﵄ من غير وجه.
فروى الحاكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "أُنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النّجوم، وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض"٤.
وروى أيضًا عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "أُنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة. ثم قرأ: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناَكَ بِالحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٥، ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلِى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ ٦") ٧.
وروى ابنُ أبي حاتم عن ابن عباس أنَّه سأله عطيّة بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك في قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ
_________________
(١) ١ سورة الدخان، الآية: (٣) . ٢ سورة القدر، الآية: (١) . ٣ سورة البقرة، الآية: (١٨٥) . ٤ المستدرك (٢/٢٢٢) . ٥ سورة الفرقان، الآية: (٣٣) . ٦ سورة الإسراء، الآية: (١٠٦) .
[ ١ / ٦٩ ]
فِيهِ القُرْآنُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾، وقد أنزل في شوّال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي المحرّم وصفر وشهر ربيع؟ فقال ابن عباس: "إنَّه نزل في رمضان في ليلة القدر، وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النّجوم ترتيلًا في الشّهور والأيّام"١.
إنَّ الحكمة في هذا النزول هي تعظيم القرآن الكريم وتعظيم أمر مَن نزل عليه وهو رسول الله ﷺ، وتعظيم الشهر الذي نزل فيه وهو شهر رمضان، واللَّيلة التي نزل فيها وهي ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ، لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ .
ثم إنَّ ما تقدّم لَيدلُّ أعظم دلالة على عظم شأن شهر الصوم، شهر رمضان المبارك، وأنَّ له خصوصية بالقرآن الكريم، إذ فيه حصل للأمّة من الله هذا الفضل العظيم، نزول وحيه العظيم، وكلامه الكريم المشتملِ على الهداية ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ﴾ ٢ الهداية لمصالح الدين والدنيا، وفيه تبيان الحقِّ بأوضح بيان، وفيه الفرقان بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والظلمات والنّور.
فحقيقٌ بشهرٍ هذا فضلُه وهذا إحسانُ الله على عباده فيه أن يعظِّمه العباد وأن يكون موسمًا لهم للعبادة وزادًا ليوم المعاد.
_________________
(١) ١ تفسير ابن أبي حاتم (١/٣١٠) . ٢ سورة البقرة، الآية: (١٨٥) .
[ ١ / ٧٠ ]
وهذا فيه دلالةٌ بالغةٌ على استحباب دراسة القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك، والاجتهاد في ذلك، والإكثار من تلاوته فيه، وعرض القرآن على من هو أحفظُ له، والزيادة في مدارسته.
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: " كان النبيُّ ﷺ أجودَ النّاس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كلّ ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجودَ بالخير من الرّيح المرسلة"١.
وقد كان ﷺ يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، وهذا أمرٌ يشرع لكل من أراد أن يزيد في القراءة ويطيل وكان يصلّي لنفسه فليطوّل ما شاء، وكذلك من صلّى بجماعة يرضون بصلاته، وأمّا سوى ذلك فالمشروع التخفيف، قال الإمامُ أحمدُ لبعض أصحابه وكان يصلّي بهم في رمضان: "هؤلاء قوم ضعفى اقرأ خمسًا ستًّا سبعًا، قال فقرأت فختمتُ ليلة سبع وعشرين"٢. فأرشدَه ﵀ إلى أن يراعي حال المأمومين فلا يشقُّ عليهم.
وكان السَّلفُ ﵏ يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها، فكان الأسود يقرأ القرآن في كلِّ ليلتين في رمضان.
وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقيّة الشهر في ثلاث.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:١٩٠٢)، وصحيح مسلم (رقم:٢٣٠٨) . ٢ ذكره ابن رجب في لطائف المعارف (ص:١٨٠) .
[ ١ / ٧١ ]
وكان قتادة يختم في كلِّ سبع دائمًا وفي رمضان في كلِّ ثلاث، وفي العشر الأواخر كلَّ ليلة.
وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنَّما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام.
وكان مالكٌ ﵀ إذا دخل رمضان يفرُّ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم ويُقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان.
وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن.
والآثارُ عنهم في هذا المعنى كثيرة١، رزقنا الله وإيّاكم حسن اتّباعهم والسير على آثارهم، ونسأله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.
_________________
(١) ١ انظر: لطائف المعارف لابن رجب (ص:١٨١) .
[ ١ / ٧٢ ]