إنّ من أجلّ الذكر وأفضله ذِكْرَ الربّ ﵎ بذكر أسمائه الحسنى وصفاته العظيمة، والثناء عليه بما هو أهله، بما أثنى به على نفسه، وبما أثنى عليه به عبده ورسوله محمّد ﷺ من نعوت الجلال وصفات الكمال وأنواع المحامد ونحو ذلك.
إذ إنَّ الذكر نوعان:
أحدهما: ذكر أسماء الربّ الحسنى وصفاته العظيمة والثناء عليه بها، وتنزيهه سبحانه وتقديسه عمّا لا يليق به ﵎. وهذا أيضًا نوعان:
أحدهما: إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر، وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث المشتملة على الحثّ على حمد الله وتكبيره وتسبيحه وحسن الثناء عليه، ومن ذلك قوله ﷺ: " أحبّ الكلام إلى الله بعد القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" ١، وقوله ﷺ: "من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"٢، وكذلك قوله ﷺ: "كلمتان خفيفتان على اللّسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان للرّحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" ٣، ونحو هذه الأحاديث.
_________________
(١) ١ رواه مسلم (رقم:٢١٣٧) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٦٤٠٥)، وصحيح مسلم (رقم:٢٦٩١) . ٣ صحيح البخاري (رقم:٦٠٤٩)، وصحيح مسلم (رقم:٢٦٩٤)
[ ١ / ١١٤ ]
وأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمُّه نحو قول: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، فهذا أفضل من مجرّد: سبحان الله.
وكذلك قول: الحمد لله عدد ما خلق، والحمد لله ملء ما خلق، والحمد لله عدد ما في السموات والأرض، والحمد لله ملء ما في السموات والأرض، فهذا أفضل من مجرّد قول: الحمد لله.
روى مسلم في صحيحه عن جويرية ﵂ أنَّ النبيّ ﷺ خرج من عندها بُكرةً حين صلّى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسةٌ فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النبي ﷺ: "لقد قلت بعدك أربعَ كلمات ثلاث مرّات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهنَّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته"١.
وروى الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، وغيرهم بإسناد جيّد، عن أبي أمامة الباهلي أنَّ رسول الله ﷺ مرّ به وهو يحرّك شفتيه فقال: "ماذا تقول يا أبا أمامة؟ قال: أذكر ربي، قال: ألا أخبرك بأكثر أو أفضل من ذكر اللّيل مع النّهار والنّهار مع اللّيل أن تقول: سبحان الله عدد ما خلق، وسبحان الله ملء ما خلق، وسبحان الله عدد ما في الأرض والسماء، وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٧٢٦) .
[ ١ / ١١٥ ]
عدد كلِّ شيء، وسبحان الله ملء كلِّ شيء، وتقول: الحمد لله مثل ذلك"١.
فهذا جميعه من ذكر أسماء الرب وصفاته.
والنوع الثاني من هذا: هو الخبر عن الربّ تعالى بأحكام أسمائه وصفاته نحو قولك: الله ﷿ يسمع أصوات عباده، ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه من أعمالهم خافية، وهو أرحم بهم من آبائهم وأمّهاتهم وهو على كلِّ شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد راحلته، ونحو ذلك من الثناء عليه بما هو أهله ممّا أثنى به على نفسه، وما أثنى به عليه عبده ورسوله محمّد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل.
وهذا النوع يندرج تحته ثلاثة أنواع: حمدٌ وثناءٌ وتمجيدٌ.
فالحمد: الإخبار عنه بصفات كماله ﷾ مع محبّته والرضى به، فلا يكون المحبّ الساكت حامدًا، ولا المثني بلا محبّة حامدًا حتى يجمع له المحبّة والثناء، فإن كرّر المحامد شيئًا بعد شيء كانت ثناء، فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والملك كان مجدًا.
وقد جمع الله تعالى الأنواع الثلاثة في أوّل سورة الفاتحة، فإذا قال العبد: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجّدني عبدي.
_________________
(١) ١ المسند (٥/٢٤٩)، والمعجم الكبير (٨/رقم:٨١٢٨)، والمستدرك (١/٥١٣)، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع (رقم:٢٦١٥) .
[ ١ / ١١٦ ]
إنّ ما تقدّم هو النوع الأوّل من أنواع الذِّكر، وهو ذكر الرب بذكر أسمائه وصفاته، وهو نوعان كما سبق، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا النوع من الذِّكر لاحقًا إن شاء الله.
أما النوع الثاني: فهو ذكر أمر الربّ ونهيه وأحكامه، وهو أيضًا نوعان:
ـ أحدهما: ذكره سبحانه بذلك إخبارًا عنه بأنَّه أمر بكذا ونهى عن كذا، وأحبّ كذا، وسخط كذا، ورضي كذا، فكلُّ هذا من ذكر الله ﵎، ولهذا فإنَّ مجالس العلم التي يبيَّن فيها الحلال والحرام، وتوضّح فيها الأحكام مجالس ذكر لله. قال عطاء الخرساني: "مجالس الذِّكر مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع، وتصلي وتصوم، وتنكح وتطلّق وتحجّ وأشباه هذا".
وكان أحد السلف وهو أبو السُّوَار العدوي في حلقة يتذاكرون العلم ومعهم فتى شاب فقال لهم: قولوا: سبحان الله والحمد لله، فغضب أبو السُّوار، وقال: "ويحك في أيِّ شيء كنّا إذًا"١.
فليست مجالس الذكر مختصّة بالمجالس التي يذكر فيها اسم الرّبّ بالتسبيح والتحميد والتكبير ونحو هذا، بل هي شاملةٌ للمجالس التي يذكر فيها أمره ونهيه وحلاله وحرامه، وما يحبّه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، بل ربَّما كان هذا الذكر أنفع من ذلك.
_________________
(١) ١ أورد هذا الأثر والذي قبله ابنُ رجب في شرح حديث أبي الدرداء في طلب العلم (ص:٢٣) .
[ ١ / ١١٧ ]
ـ والنوع الثاني: ذكره سبحانه عند أمره فيبادر إليه، وعند نهيه فيهرب منه، فامتثال العبد لأوامر الله وانقياده لشرعه وإذعانه لحكمه واجتنابه لنواهيه، كلُّ ذلك من إقامة ذكر الله تعالى، فذكر أمره ونهيه شيءٌ، وذكره عند أمره ونهيه شيءٌ آخر.
وقد أوضح هذه الأقسام المتقدّمة ابنُ القيِّم ﵀ في كتابه الوابل الصيّب١، وذكر أنَّها إذا اجتمعت للذاكر فذِكْرُه أفضلُ الذكر وأجلّه وأعظمه.
فنسأل الله الكريم أن يحقِّق لنا ولكم ذلك، وأن يعيننا جميعًا على ذكره وشكره وحسن عبادته إنَّه سميعٌ مجيبٌ قريبٌ
_________________
(١) (ص:١٧٨ - ١٨١) .
[ ١ / ١١٨ ]