لا يزال الحديثُ ماضيًا بنا في بيان أهمِّية ذِكر الله بذكر أسمائه وصفاته الواردة في الكتاب وسنة رسوله ﷺ، وقد مرّ بنا جملةٌ طيّبةٌ من الفوائد المترتّبة على ذلك، ومن هذه الفوائد أيضًا أنَّ معرفةَ أسماء الله الحسنى وصفاته العلى مقتضيةٌ لآثارها من العبودية كالخضوع والذلّ والخشوع والإنابة والخشية والرهبة والمحبة والتوكل وغير ذلك من أنواع العبادات الظاهرة والباطنة، بل إنَّ لكل صفة من صفات الربّ ﵎ عبوديةً خاصةً هي من مقتضياتها وموجبات العلم بها والتحققِ بمعرفتها، وهذا مُطَّرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح١.
وبيان ذلك أنَّ العبد إذا علم بتفرّد الربّ تعالى بالضُرّ والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة فإنَّ ذلك يُثمرُ له عبودية التوكّل على الله باطنًا، ولوازم التوكّل وثمراته ظاهرًا.
قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ وانظر في هذا: مفتاح دار السعادة لابن القيم (ص:٤٢٤،٤٢٥) . ٢ سورة الفرقان، الآية: (٥٨) . ٣ سورة الشعراء، الآية: (٢١٧) . ٤ سورة المزمل، الآية: (٩) . ٥ سورة النساء، الآية: (٨١) .
[ ١ / ١٢٣ ]
وإذا علم العبد بأنَّ الله سميعٌ بصيرٌ عليمٌ لا يخفى عليه مثقالُ ذرةٍ في السموات والأرض، وأنَّه يعلم السرَّ وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، وأنَّه ﵎ أحاط بكلِّ شيء علمًا، وأحصى كلَّ شيء عددًا، فمن عرَّف نفسه باطلاع الله عليه ورؤيته له وإحاطته به، فإنَّ ذلك يُثمرُ له حفظ اللسان والجوارح وخطرات القلب عن كل ما لا يُرضي الله، وجَعْلَ تعلّقات هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصَادِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ٥، فلا ريب أنَّ هذا العلم يورث عند العبد خشيةَ الله ومراقبتَه والإقبالَ على طاعته والبعدَ عن مناهيه.
قال ابن رجب: "راودَ رجلٌ امرأةً في فلاة ليلًا فأبت، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب فقالت: فأين مُكَوكِبُها"٦. أي أين الله ألا يرانا، فمنعها هذا العلم اقتراف هذا الذنب والوقوع في هذه الخطيئة.
وإذا علم العبد بأنَّ الله غنيٌّ كريمٌ، بَرٌّ رحيمٌ، واسعُ الإحسان، وأنَّه ﵎ مع غناه عن عباده فهو محسنٌ إليهم رحيمٌ بهم، يريد
_________________
(١) ١ سورة العلق، الآية: (١٤) . ٢ سورة الفجر، الآية: (١٤) . ٣ سورة الحجرات، الآية: (١) . ٤ سورة فصلت، الآية: (٤٠) . ٥ سورة البقرة، الآية: (٢٣٥) .
[ ١ / ١٢٤ ]
بهم الخيرَ، ويكشف عنهم الضرَّ، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمةً منه وإحسانًا، فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثّر بهم من قلّة، ولا ليعتزّ بهم من ذِلَّة، ولا ليرزقوه ولا لينفعوه، ولا يدفعوا عنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وُقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ٢، وقال تعالى فيما رواه عنه رسوله ﷺ: "يا عبادي إنَّكم لن تبلُغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلُغوا ضَرِّي فتضروني"٣.
فإذا عَلِم العبد ذلك أثمر فيه قوَّةَ الرّجاء - قوَّةَ رجائه بالله - وطمعه فيما عنده، وإنزال جميع حوائجه به، وإظهار افتقاره إليه واحتياجه له ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمْ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ٤، والرجاء يُثمر أنواعَ العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفة العبد وعلمه.
وإذا علِم العبدُ بعدلِ الله وانتقامه وغضبه وسخطه وعقوبته فإنَّ هذا يثمر له الخشية والخوفَ والحذرَ والبعدَ عن مساخط الرب، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٥، وقال الله
_________________
(١) ١ سورة الذاريات، الآيات: (٥٦ - ٥٨) . ٢ سورة الإسراء، الآية: (١١١) . ٣ جزء من حديث أبي ذر ﵁، أخرجه مسلم في صحيحه (برقم:٢٥٧٧) . ٤ سورة فاطر، الآية: (١٥) . ٥ سورة البقرة، الآية: (١٩٦) .
[ ١ / ١٢٥ ]
تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَإِن زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمْ البَيِّنَاتِ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢.
وإذا علِمَ العبدُ بجلال الله وعظمته وعلوِّه على خلقه ذاتًا وقهرًا وقدرًا فإنَّ هذا يثمر له الخضوعَ والاستكانةَ والمحبةَ وجميعَ أنواع العبادة، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًاّ كَبِيرًا﴾ ٤، وقال: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ﴾ ٥، وقال: ﴿وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ٦، وقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٧.
وإذا علِمَ العبدُ بكمال الله وجماله، أوجبَ له هذا محبّةً خاصةً وشوقًا عظيمًا إلى لقاء الله "ومن أحبّ لقاء الله أحبّ اللهُ لقاءَه"، ولا ريب أنَّ هذا يُثمر في العبد أنواعًا كثيرةً من العبادة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٨.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: (٢٠٣) . ٢ سورة البقرة، الآية: (٢٠٩) . ٣ سورة الحج، الآية: (٦٢) . ٤ سورة النساء، الآية: (٣٤) . ٥ سورة الرعد، الآية: (٩) . ٦ سورة البقرة، الآية: (٢٥٥) . ٧ سورة الزمر، الآية: (٦٧) . ٨ سورة الكهف، الآية: (١١٠) .
[ ١ / ١٢٦ ]
وبهذا يُعلم أنّ العبودية بجميع أنواعها راجعةٌ إلى مقتضيات الأسماء والصفات، ولهذا فإنَّه يتأكّد على كلِّ عبد مسلم أن يعرف ربَّه ويعرفَ أسماءه وصفاته معرفةً صحيحةً سليمةً، وأن يعلم ما تضمّنته، وآثارَها، وموجبات العلم بها، فبهذا يعظُم حظ العبد ويكمل نصيبه من الخير.
قال الإمام أبو عمر الطلمنكي ﵀: "من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسولُ الله ﷺ المعرفةُ بالأسماء والصفات وما تتضمّن من الفوائد وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالمًا لمعاني الأسماء ولا مستفيدًا بذكرها ما تدل عليه من المعاني"١. اهـ.
والله المرجو أن يوفِّقنا وإياكم لتحقيق ذلك والقيام به على أحسن حال، فهو سبحانه سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) ١ فتح الباري لابن حجر (١١/٢٢٦) .
[ ١ / ١٢٧ ]