لقد ورد في القرآن الكريم الترغيبُ في دعاء الله بأسمائه الحسنى العظيمة، والتحذيرُ الشديدُ من سبيل الملحدين في أسمائه، وأنَّ الله سيحاسبهم على ذلك الحساب الشديد، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، ولذا فإنَّه يتأكّد على كلِّ مسلم أن يُعنى بأسماء الله الحسنى، وفهمها فهمًا صحيحًا بعيدًا عن سبيل الملحدين في أسماء الله الذين توعّدهم في هذه الآية بقوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وتوعّدهم على ذلك في آية أخرى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَونَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢، والإلحاد في أسماء الله إلحاد في آياته.
وقد دلّت الآية الكريمة المتقدّمة على أنَّ أسماء الله كلَّها حسنى، إذ إنَّ الله ﵎ لكماله وجلاله وجماله وعظمته لا يُسمى إلا بأحسن الأسماء، كما أنَّه لا يُوصف إلا بأحسن الصفات، ولا يُثنى عليه إلا بأكمل الثناء وأحسنه وأطيبه، فأسماؤه جلّ وعلا هي أحسن الأسماء وأكملُها، وليس في الأسماء أحسنُ منها ولا يقوم غيرُها مقامها ولا يؤدي معناها، ولا يسدّ مسدّها، وقد وصف الرب ﵎ أسماءه بأنَّها حسنى في القرآن الكريم في أربعة مواضع، في الآية المتقدمة، وفي
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: (١٨٠) . ٢ سورة فصلت، الآية: (٤٠) .
[ ١ / ١٣٣ ]
قوله: ﴿قُلْ ادْعُوا اللهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّامَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ ١، وقوله: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ ٢، وقوله: ﴿هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ ٣.
فهذه أربعة مواطن في القرآن وُصفت فيها أسماء الله ﵎ بهذه الصفة العظيمة، والحسنى في اللغة: جمع أحسن، وليست جمع حسن، فهي أحسن الأسماء وأكملها وأعظمها، كما قال تعالى: ﴿وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ٤، أي له سبحانه الكمال الأعظم في ذاته وأسمائه وصفاته، ولذا كانت أسماؤه أحسن الأسماء.
وأسماء الله إنَّما كانت حسنى لكونها قد دلت على صفة كمال عظيمة لله، فإنَّها لو لم تدل على صفة بل كانت علَمًا محضًا لم تكن حسنى، ولو دلّت على صفةٍ ليست بصفة كمال لم تكن حسنى، ولو دلّت على صفةٍ ليست بصفة كمالٍ بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح لم تكن حسنى، فأسماء الله جميعها دالةٌ على صفات كمال ونعوت جلال للرب ﵎، وكلُّ اسم منها دالٌ على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر٥، فالرّحمن مثلًا يدل على صفة الرحمة، والعزيز يدل على صفة العزة، والخالق يدل
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية: (١١٠) . ٢ سورة طه، الآية: (٨) . ٣ سورة الحشر، الآية: (٢٤) . ٤ سورة النحل، الآية: (٦٠) . ٥ انظر: الحق الواضح المبين لابن سعدي (ص:٥٥) .
[ ١ / ١٣٤ ]
على صفة الخلق، والكريم يدل على صفة الكرم، والمحسن يدل على صفة الإحسان، وهكذا وإن كانت جميعها متفقةً في الدلالة على الرب ﵎، ولهذا فهي من حيث دلالتُها على الذات مترادفةٌ، ومن حيث دلالتُها على الصفات متباينةٌ؛ لدلالة كل اسم منها على معنى خاص مستفاد منه.
قال العلامة ابن القيم ﵀: "أسماء الرب ﵎ كلُّها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظًا مجرّدةً لا معاني لها لم تدل على المدح، وقد وصفها الله بأنَّها حسنى كلُّها فقال: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ فهي لم تكن حسنى لمجرّد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال، ولهذا لما سمع بعضُ العرب قارئًا يقرأ: ﴿والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ﴾ (والله غفور رحيم) . قال: ليس هذا كلامَ الله تعالى، فقال القارئ: أتُكذّب بكلام الله؟ فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله، فعاد إلى حفظه، وقرأ: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢، فقال الأعرابي: صدقتَ، عزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع. ولهذا إذا خُتمت آية الرحمة باسم العذاب أو بالعكس ظهر تنافرُ الكلام وعدمُ انتظامه"٣. اهـ.
وبهذا يتبيّن أنَّ فهم أسماء الله الحسنى والعلم بمعانيها أساس لا بد
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: (١٨٠) . ٢ سورة المائدة، الآية: (٣٨) . ٣ جلاء الأفهام (ص:١٠٨) .
[ ١ / ١٣٥ ]
منه لتحقيق قول الله: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ١ فدعاء الله بأسمائه الذي أمر الله به في هذه الآية إنَّما يكون ويتحقق إذا علم الداعي معاني هذه الأسماء التي دعا الله بها، فإن لم يكن عالمًا بمعانيها فإنَّه يجعل في دعائه الاسم في غير موطنه كأن يختم طلب الرحمة باسم العذاب أو العكس، فيظهر التنافر في الكلام وعدمُ الانتظام، ومن يتدبرّ الأدعية الواردة في القرآن أو في سنة النبي ﷺ يجد أنَّه ما من دعاء منها يختم بشيءٍ من أسماء الله الحسنى إلا ويكون في ذلك الاسم ارتباطٌ وتناسبٌ مع الدعاء المطلوب كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ٢، وقوله: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ﴾ ٤، ونحو ذلك من الآيات.
ثم إنَّ دعاء الله بأسمائه يتناول دعاء المسألة ودعاء الثناء ودعاء التعبّد، وفي بيان ذلك يقول ابن القيم ﵀: "وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديّتها، وهو سبحانه يحبّ موجب أسمائه وصفاته، فهو عليمٌ يحب كلَّ عليم، وجوادٌ يحب كلَّ جواد، وِترٌ يحب الوتر، جميلٌ يحب الجمال، عَفُوٌّ يحب العفو وأهله، حَيِيٌّ يحبُّ الحياء وأهله، برٌّ يحب
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: (١٨٠) . ٢ سورة البقرة، الآية: (١٢٧) . ٣ سورة المؤمنون، الآية: (١٠٩) . ٤ سورة الأعراف، الآية: (٨٩) .
[ ١ / ١٣٦ ]
الأبرار، شكورٌ يحب الشاكرين، صبورٌ يحب الصابرين، حليمٌ يحب أهل الحلم "١، إلى آخر كلامه ﵀.
ثم أيضًا من أهم ما ينبغي أن يتنبّه له المسلم في هذا الباب العظيم أن يحذر أشدّ الحذر من سبيل الملحدين في أسماء الله الذين توعّدهم الله في هذه الآية بأنَّهم سيُجزون ما كانوا يعملون، وهم أصنافٌ وأنواع، جَمَعَهم وصْفُ الإلحاد وتفرّقت بهم طرقُه، وعن هذا الموضوع الهام سيكون الحديث الآتي إن شاء الله وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين (١/٤٢٠) .
[ ١ / ١٣٧ ]