لقد صحّ عن النبي ﷺ فيما خرّجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: "إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة"١.
ولا ريب أنَّ هذا الفضل العظيم ألا وهو دخول الجنة المترتِّب على إحصاء هذا العدد من أسماء الله ليحرك في النفس الجِدّ في نيل هذا المطلب العظيم والسعي في تكميله، والحرص الشديد على تحقيقه.
ولقد ظن بعضُ النّاس خطأً أنَّ المرادَ بإحصاء أسماء الله المرغب فيه في هذا الحديث هو عدُّ ألفاظ تسعة وتسعين اسمًا من أسماء الله، واستظهارها في القلب، والتلفّظ بها في أوقات معيّنة مخصوصة، وربما جعلها بعضهم في جملة ذكره لله في صباحه ومسائه دون فقه من هؤلاء لهذه الأسماء الجليلة العظيمة، أو تدبّر لمدلولاتها، أو تحقيق لموجباتها ومستلزماتها، أو عمل بمقتضياتها ومتطلباتها.
ولقد نبّه العلماء ﵏ أنَّه ليس المراد بإحصاء أسماء الله عدّ حروفها فقط، بلا فقه لها أو عمل بها، بل لا بد في ذلك من فهم معناها والمراد بها فهمًا صحيحًا سليمًا، ثم العمل بما تقتضيه.
قال أبو عمر الطلمنكي ﵀: "من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله ﷺ،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٢٧٣٦)، وصحيح مسلم (رقم:٢٦٧٧) .
[ ١ / ١٤٦ ]
المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمّن من الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالمًا لمعاني الأسماء، ولا مستفيدًا بذكرها ما تدل عليه من المعاني"١.
فنبّه ﵀ إلى أنَّ تمام المعرفة بالأسماء الحسنى والتي ينال بها الداعي لله بها هذا الثواب العظيم الوارد في الحديث إنَّما يكون بالمعرفة بالأسماء والصفات وبما تتضمّنه من فوائد وتدل عليه من الحقائق، لا عدّها فقط دون فهم لها أو علم بما تدل عليه.
وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ أنَّ لإحصاء أسماء الله الحسنى ثلاثَ مراتبَ بتكميلها وتحقيقها ينال العبدُ ثوابَ الله العظيم المذكور في حديث رسول الله ﷺ المتقدم:
المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها.
المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولاتها.
المرتبة الثالثة: دعاء الله بها، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة٢.
فبتحقيق هذه المراتب الثلاثة العظيمة يكون الإحصاء الصحيح لهذا القدر من أسماء الله الحسنى.
ومما ينبغي أن يُعلم هنا أنَّ أسماء الله الحسنى ليست محصورةً في هذا العدد المعيّن المذكور في قوله ﷺ: "إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة"، فالكلام في هذا الحديث جملة واحدة، فقوله:
_________________
(١) ١ فتح الباري لابن حجر (١١/٢٢٦) . ٢ بدائع الفوائد (١/١٦٤) .
[ ١ / ١٤٧ ]
"من أحصاها" صفةٌ، وليس خبرًا مستقلًا، والمعنى أنَّ لله تسعة وتسعين من شأنها أنَّ من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينافي أن يكون له أسماءٌ غيرها، ولهذا نظائر كثيرة في لغة العرب كما تقول: إنَّ عندي تسعة وتسعين درهمًا أعددتها للصدقة، فإنَّ هذا لا ينافي أن يكون عندك غيرها معدةً لغير ذلك، وهذا أمر معروف لا خلاف فيه بين العلماء.
بل لقد ورد في السنة ما يدل على أنَّ أسماء الله غيرُ محصورة ولا تُحدّ بعدد معيّن، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"١، فأخبر ﷺ أنَّه لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى الثناء عليه.
ومن ذلك أيضًا ما ورد في حديث الشفاعة الطويل أنَّه ﷺ قال: "ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحدٍ قبلي"، فدل الحديث على أنَّ هناك محامد من أسماء الله وصفاته يفتح الله بها على رسوله ﷺ في ذلك اليوم، وهي بلا شك غير المحامد المأثورة في الكتاب والسنة.
وأيضًا فقد ثبت في المسند وغيره من حديث عبد الله بن مسعود
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٤٨٦) .
[ ١ / ١٤٨ ]
﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إنِّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همِّي، إلا أذهب الله همّه وحزنه وأبدله مكانه فرحًا"١.
قال ابن القيم ﵀: "فجعل أسماء الله ثلاثة أقسام:
قسم: سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه.
وقسم: أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده.
وقسم: استأثر به في علم غيبه فلم يُطلِع عليه أحدًا من خلقه، ولهذا قال: "استأثرت به" أي: تفردت بعلمه"٢.
وبهذا يتبيّن أنَّ أسماء الله غيرُ محصورة في هذا العدد المعيّن، بل هي في القرآن والسنة أكثرُ من ذلك، وقصارى الحديث الدلالة على فضيلة إحصاء هذا العدد من أسماء الله.
ومما ينبّه عليه هنا أنَّه لم يرد عن النبي ﷺ حديثٌ صحيحٌ في عدّ هذه الأسماء وسردها، وأما ما ورد في سنن الترمذي وسنن ابن ماجه وغيرهما من ذكرٍ لهذه الأسماء مسرودةً عَقِبَ حديث أبي هريرة
_________________
(١) ١ المسند (١/٣٩١)، وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم:١٩٩) . ٢ بدائع الفوائد (١/١٦٦) .
[ ١ / ١٤٩ ]
المتقدّم١ فإنَّ هذا باتفاق أهل المعرفة والعلم بالحديث ليس من كلام النبي ﷺ، وإنَّما هو مدرجٌ من بعض الرواة في حديث الرسول ﷺ، ولذا خرّجه البخاري ومسلم دون ذكر لها لضعفها ولعدم ثبوتها عن النبي ﷺ، وتفاصيل ذلك يجدها طالب العلم مبسوطة في مظانها من كتب أهل العلم٢.
ثم إنَّ هذه الأسماء موجودة كما تقدّم في الكتاب والسنة، فمن قرأهما وعوّل عليهما في دينه، واجتهد في تدبر أسماء الله الحسنى الواردة فيهما فقد ظفر بالمراد، وحصل المقصود، وبالله وحده التوفيق.
_________________
(١) ١ انظر: سنن الترمذي (رقم:٣٥٠٧)، وسنن ابن ماجه (رقم:٣٨٦١) . ٢ وانظر في ذلك: فتح الباري لابن حجر (١١/٢١٥ وما بعدها) .
[ ١ / ١٥٠ ]