نواصل الحديثَ في عدِّ بعض فوائد الذِّكر، وذكر شيءٍ من منافعه وعوائده على الذَّاكرين في الدنيا والآخرة؛ وذلك من خلال ما ذكره الإمام العلاّمة ابن القيِّم ﵀ في كتابه الوابل الصيِّب١.
ـ فمِن فوائده: أنّ الذِّكر سببٌ لتصديق الرّبِّ ﷿ عبدَه، فإنّ الذَّاكرَ يُخبرُ عن الله تعالى بأوصاف كماله ونُعوت جلاله، فإذا أخبر بها العبدُ صدَّقه ربُّه، ومن صدّقه اللهُ تعالى لم يُحشَر مع الكاذبين، ورُجي له أن يُحشر مع الصّادقين.
روى ابن ماجه، والترمذي، وابن حبّان، والحاكم، وغيرُهم عن أبي إسحاق، عن الأغرّ أبي مسلم، أنّه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ أنّهما شهدا على رسول الله ﷺ أنّه قال: "إذا قال العبدُ: لا إله إلاّ الله والله أكبر، قال: يقول الله ﵎: صَدَقَ عبدي لا إله إلاّ أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، قال: صدق عبدي لا إله إلاّ أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله لا شريك له، قال: صدق عبدي لا إله إلاّ أنا لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملكُ وله الحمدُ، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا لي الملكُ ولي الحمدُ، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوَّة إلاّ بالله، قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوَّة إلاّ بي".
ثمّ قال الأغرُّ شيئًا لم أفهمه، قلتُ لأبي جعفر: ما قال؟ قال:
_________________
(١) ١ انظر: الوابل الصيب (ص:١٦٠،١٦٤،١٤٢،١٤٣،١٤٤،١٣٢،١٥٣،١٥٤)
[ ١ / ٢٣ ]
"من رُزِقَهُنَّ عند موته لم تمسَّه النَّار".
وقال الترمذي حديث حسن، وصحّحه الحاكم ووافقه الذّهبي، وقال الشيخ الألباني حفظه الله: وهو حديث صحيح١.
ـ ومن فوائده: أنّ كثرةَ ذكر ﷿ وسلم أمانٌ من النِّفاق، فإنّ المنافقين قليلو الذِّكر لله ﷿، قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ٢.
قال كعب: "من أكثر ذكرَ الله ﷿ برئ من النِّفاق".
ولعلّه لأجل هذا ختم اللهُ سورة المنافقين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ ٣.
فإنّ في ذلك تحذيرًا من فتنة المنافقين الّذين غَفَلوا عن ذكر الله ﷿ فوقَعُوا في النِّفاق والعياذُ بالله.
وقد سُئِل عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ عن الخوارج: منافقون هم؟ فقال: "المنافقون لا يذكرون اللهَ إلاّ قليلًا".
فهذا من علامة النِّفاق، قلَّةُ ذكر الله ﷿، وعلى هذا فكثرة ذكره تعالى أمانٌ من النِّفاق، واللهُ ﷿ أكرمُ مِن أن يبتلي قلبًا ذاكرًا بالنِّفاق، وإنّما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله ﷿.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه (٣٧٩٤)، وسنن الترمذي (رقم:٣٤٣٠)، وصحيح ابن حبان (رقم:٨٥١)، ومستدرك الحاكم (١/٥)، والسلسلة الصحيحة (رقم:١٣٩٠) . ٢ سورة النساء، الآية: (١٤٢) . ٣ سورة المنافقون، الآية: (٩) .
[ ١ / ٢٤ ]
ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه شفاءٌ للقلب، ودواءٌ لأمراضه، قال مكحول بن عبد الله ﵀: "ذكرُ الله تعالى شفاء، وذكرُ النّاس داء".
ثمّ إنَّ الذِّكرَ أيضا يُذهبُ قسوةَ القلب، ففي القلب قسوةٌ لا يُذيبُها إلاّ ذكرُ الله تعالى، جاء إلى الحسنِ البصري ﵀ رجلٌ فقال: يا أبا سعيد: أشكو إليك قسوةَ قلبي، قال: "أَذِبْهُ بالذِّكر".
ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّ الذَّاكرَ قريبٌ من مذكوره، ومذكورُه معه، وهذه المعيَّةُ معيَّةٌ خاصةٌ غيرُ معيَّة العلم والإحاطة العامّة، فهي معيَّةٌ بالقرب والولاية والمحبَّة والنُّصرة والإعانة والتَّوفيق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ١، وقولِه: ﴿وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ ٣، فالذَّاكرُ له من هذه المعيَّة النَّصيبُ الوافر، كما في الحديث الإلهي: "أنا مع عبدي ما ذكَرني وتحرَّكَتْ بي شفَتاه"، رواه البخاري تعليقًا، وأحمد، وابن ماجه، والحاكم، وغيرُهم٤.
ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه جَلاَّب للنِّعم، دافعٌ للنِّقم، فما استُجلِبت نعمة ولا استُدفِعت نِقمَة بمثل ذكر الله ﷿، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنّ اللهَ
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية: (١٢٨) . ٢ سورة البقرة، الآية: (٢٤٩) . ٣ سورة العنكبوت، الآية: (٦٩) . ٤ صحيح البخاري (٨/٥٧٢)، والمسند (٢/٥٤٠)، وسنن ابن ماجه (رقم:٣٧٩٢)، ومستدرك الحاكم (١/٤٩٦) .
[ ١ / ٢٥ ]
يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١، فدفاعُه ﵎ عنهم هو بحسَب قوَّة إيمانهم وكماله، ومادَّةُ الإيمان وقوَّتُه ذكرُ الله تعالى، فمن كان إيمانُه أكملَ، وذكرُه لله أكثرَ كان نصيبُه من دفاع الله عنه أعظمَ وحظُّه منه أوفرَ، ومن نَقَصَ نَقَص، ذِكْرًا بذكرٍ ونسيانًا بنسيانٍ.
ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّ إدامته تنوبُ عن الطّاعات، وتقوم مقامها سواءً كانت بَدَنيَّةً أو ماليّةً، أو بدنيَّةً ماليَّةً كحجِّ التَّطوُّع.
وقد جاء ذلك صريحًا في حديث أبي هريرة ﵁ أنّ فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ذهب أهلُ الدُّثور بالأجور والنَّعيم المُقيم، يُصلّون كما نُصلّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضلُ أموالهم يحُجُّون بها ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدَّقون، فقال: ألا أُعلِّمُكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدَكم، ولا أحدٌ يكون أفضلَ منكم إلاّ من صنع ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: تسبِّحون وتحْمدون وتكبِّرون خلف كلِّ صلاة " إلى آخر الحديث، وهو متّفق عليه٢.
فجعل الذِّكر عوضًا لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد، وأخبر أنَّهم يسبقونهم بهذا الذِّكر، فلما سمع أهلُ الدُّثور بذلك عملوا به، فازدادوا إلى صَدّقتهم وعبادتهم بمالِهم التعبُّدَ بهذا الذِكر، فحازوا الفضيلتين، فنافسهم الفقراء، وأخبروا رسول الله ﷺ بأنَّهم قد شاركوهم في ذلك، فانفردوا عنهم بما لا قدرة لهم عليه، فقال عليه
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية: (٣٨) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٨٤٣)، وصحيح مسلم (رقم:١٠٠٦) .
[ ١ / ٢٦ ]
الصلاة والسلام: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ".
وفي حديث عبد الله بن بُسر ﵁ الذي خرّجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وغيرهم قال: جاء أعرابيٌّ فقال: يا رسول الله كثُرت عليّ خلالُ الإسلام وشرائعه، فأخبرني بأمرٍ جامعٍ يكفيني. قال: "عليك بذكر الله تعالى". قال: ويكفيني يا رسول الله؟ قال: "نعم، ويفضل عنك"١.
فدلّه الناصح ﷺ على شيء يعينه على شرائع الإسلام والحِرص عليها، والاستكثار منها، فإنَّه إذا اتّخذ ذكرَ الله تعالى شعارَه، أحبّه وأحبَّ ما يحبّ، فلا شيء أحبُّ إليه من التقرّب بشرائع الإسلام، فدلّه ﷺ ما يتمكّن به من شرائع الإسلام، وتسهلُ به عليه، فالذِّكرُ من أكبرِ العونِ على طاعة الله، فإنَّه يحبّبُها إلى العبد ويسهِّلها عليه، ويلذِّذُها له بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثقل ما يجده الغافلُ، ثم هو أيضًا يسهل الصعبَ، وييسِّرُ العسيرَ، ويخفّفُ المشاقَّ، فما ذُكر اللهُ على صعبٍ إلا هانَ، ولا على عسيرٍ إلا تيسَّرّ، ولا مشقّةٍ إلا خفَّت، ولا شدّةٍ إلا زالت، ولا كُربَةٍ إلا انفرجت، فذكرُ الله هو الفرجُ بعد الشدّةِ، واليسرُ بعد العسرِ، والفرحُ بعد الغمِّ، فاللهم إياك نسأل، وبأسمائك وصفاتكَ نتوسّل أن تجعلنا من عبادِك الذاكرين، وأن تعيذَنا برحمتكَ من سبيل المُعرِضين الغافلين، إنَّك على كلِّ شيء قدير.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي (رقم:)، وسنن ابن ماجه (رقم:٣٧٩٣)، ومستدرك الحاكم (١/٤٩٥) .
[ ١ / ٢٧ ]