لقد مرّ معنا ذكرُ جملة من الفضائل لكلمات أربع هنَّ أفضل الكلام بعد القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
ونواصل هنا ذِكْر جملةٍ أخرى من فضائل هؤلاء الكلمات من خلال أحاديث رسول الله ﷺ الواردة في ذلك:
٧ - فمن فضائلهنَّ: أنَّ الله اختار هؤلاء الكلمات واصطفاهنَّ لعِباده، ورتّب على ذِكر الله بهنّ أجورًا عظيمةً، وثوابًا جزيلًا، ففي المسند للإمام أحمد ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله اصطفى من الكلام أربعًا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله كُتب له عشرون حسنة، وحُطّت عنه عشرون سيّئة، ومن قال: الله أكبر فمثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله فمثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين مِن قِبَل نفسِهِ كُتبت له ثلاثون حسنة، وحُطّ عنه ثلاثون خطيئة"١.
وقد زاد في ثواب الحمد عندما يقوله العبد مِن قِبَل نفسه عن الأربع؛ لأنَّ الحمد لا يقع غالبًا إلا بعد سبب كأكلٍ أو شُربٍ، أو حدوث نعمة، فكأنَّه وقع في مقابلة ما أُسديَ إليه وقت الحمد، فإذا
_________________
(١) ١ المسند (٢/٣٠٢)، والمستدرك (١/٥١٢)، وقال العلاّمة الألباني في صحيح الجامع (رقم:١٧١٨): صحيح.
[ ١ / ١٦١ ]
أنشأ العبد الحمد من قِبَل نفسه دون أن يدفعه لذلك تجدُّدُّ نعمةٍ زاد ثوابه.
٨ - ومن فضائلهنَّ: أنَّهنَّ جُنّةٌ لقائلهنّ من النار، ويأتين يوم القيامة مُنجيات لقائلهنّ ومقدّمات له، روى الحاكم في المستدرك، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "خُذوا جُنَّتَكم"، قلنا: يا رسول الله من عدو قد حضر! قال: "لا، بل جُنَّتُكم من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنَّهنّ يأتين يوم القيامة منجيات ومقدّمات، وهنّ الباقيات الصالحات". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وصححّه العلامة الألباني حفظه الله١.
وقد تضمّن هذا الحديث إضافة إلى ما تقدّم وصفَ هؤلاء الكلمات بأنَّهنَّ الباقيات الصالحات، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ ٢ والباقيات أي التي يبقى ثوابُها، ويدوم جزاؤُها، وهذا خيرُ أمَلٍ يؤمِّله العبد وأفضل ثواب.
٩ - ومن فضائلهنَّ: أنَّهنَّ يَنعَطِفْن حول عرش الرحمن ولهنّ دويٌّ كدويِّ النحل، يذكرن بصاحبهنّ، ففي المسند للإمام أحمد، وسنن ابن ماجه، ومستدرك الحاكم عن النعمان بن بَشير ﵁ قال: قال
_________________
(١) ١ المستدرك (١/٥٤١)، السنن الكبرى كتاب: عمل اليوم والليلة (٦/٢١٢)، صحيح الجامع (رقم:٣٢١٤) . ٢ سورة الكهف، الآية: (٤٦) .
[ ١ / ١٦٢ ]
رسول الله ﷺ: " إنَّ مما تذكرون من جلال الله التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، يَنعَطِفْن حول العرش لهنّ دَوِيٌّ كدَوِيِّ النحل، تذكر بصاحبها، أما يحب أحدكم أن يكون له، أو لا يزال له من يذكر به ". قال البوصيري في زوائد سنن ابن ماجه: إسناده صحيح، رجاله ثقات، وصحّحه الحاكم١.
فأفاد هذا الحديث هذه الفضيلة العظيمة، وهي أنَّ هؤلاء الكلمات الأربع يَنعَطِفْن حول العرش أي يَمِلن حوله، ولهنّ دَوِيٌّ كدَوِيِّ النحل أي صوتٌ يشبه صوتَ النحل يُذَكِّرن بقائلهنّ، وفي هذا أعظم حضٍّ على الذِّكر بهذه الألفاظ، ولهذا قال في الحديث: "ألا يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يذكر به".
١٠ - ومن فضائلهنَّ: أنَّ النبي ﷺ أخبر أنَّهنّ ثقيلاتٌ في الميزان، روى النسائي في عمل اليوم والليلة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وغيرهم عن أبي سلمى ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بَخٍ بَخٍ، - وأشار بيده بخمس - ما أثقلهنّ في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولدُ الصالح يُتوفى للمرء المسلم فيحتسبُه"، صححه الحاكم، ووافقه الذهبي٢، وللحديث شاهد من حديث ثوبان ﵁، خرّجه البزار في مسنده، وقال: إسناده حسن٣.
_________________
(١) ١ المسند (٤/٢٦٨،٢٧١)، سنن ابن ماجه (رقم:٣٨٠٩)، المستدرك (١/٥٠٣) . ٢ السنن الكبرى كتاب: عمل اليوم واليلة (٦/٥٠)، صحيح ابن حبان (الإحسان) (٣/١١٤/رقم:٣٣٨)، المستدرك (١/٥١١،٥١٢) . ٣ كشف الأستار عن زوائد البزار (٤/٩/رقم:٣٠٧٢) .
[ ١ / ١٦٣ ]
وقوله في الحديث: "بَخٍ بَخٍ" هي كلمة تُقال عند الإعجاب بالشيء وبيان تفضيله.
١١ - ومن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّ للعبد بقول كلِّ واحدة منهنّ صدقة، روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁: أنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يصلّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون بفضولِ أموالهم. قال: "أوَ ليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون؟ إنَّ بكلِّ تسبيحة صدقة، وكلِّ تكبيرة صدقة، وكلِّ تحميدة صدقة، وكلِّ تهليلةٍ صدقة، وأمرٍ بالمعروف صدقة، ونهيٍ عن منكرٍ صدقة، وفي بُضعِ أحدكم صدقة". قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوتَه ويكون له فيها أجرٌ؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ" ١.
وقد ظنّ الفقراء أن لا صدقة إلا بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرهم النبي ﷺ أنَّ جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقةٌ، وذكر في مقدّمة ذلك هؤلاء الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
١٢ - ومن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّ النبي ﷺ جعلهنّ عن القرآن الكريم في حقِّ من لا يُحسنه، روى أبو داود، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم عن ابن أبي أوفى ﵄ قال: جاء
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:١٠٠٦) .
[ ١ / ١٦٤ ]
رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنِّي لا أستطيع أن أتعلّمَ القرآنَ، فعلِّمني شيئا يُجزيني. قال: "تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله". فقال الأعرابي: هكذا - وقبض يديه - فقال: هذا لله، فمَا لي؟ قال: "تقول: اللهمّ اغفر لي وارْحمني وعافِني وارْزقني واهْدِني"، فأخذها الأعرابيُّ وقبض كفّيه، فقال النبي ﷺ: "أما هذا فقد مَلأَ يديه بالخير" ١.
قال المحدّث أبو الطيّب العظيم آبادي في تعليقه على سنن الدارقطني: سنده صحيح. وقال الألباني حفظه الله: سنده حسن٢.
فهذه بعض الفضائل الواردة في السنة النبوية لهؤلاء الكلمات الأربع، وقد ورد لكلِّ كلمة منهن فضائلُ مخصوصةٌ سيأتي تفاصيلها إن شاء الله، ومن يتأمل هذه الفضائل المتقدّمة يجد أنَّها عظيمةٌ جدًا، ودالّةٌ على عظيم قدرِ هؤلاء الكلمات، ورِفعة شأنهنّ وكثرة فوائدهنّ وعوائدهنّ على العبد المؤمن، ولعلّ السر في هذا الفضل العظيم والله أعلم ما ذُكر عن بعض أهل العلم أنَّ أسماء الله ﵎ كلَّها مندرجةٌ في هذه الكلمات الأربع، فسبحان الله يندرج تحته أسماء التنزيه كالقدّوس والسلام، والحمد لله مشتملة على إثبات أنواع الكمال لله تبارك في أسمائه وصفاته، والله أكبر فيها تكبير الله وتعظيمه، وأنَّه لا
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:٨٣٢)، سنن النسائي (٢/١٤٣)، سنن الدارقطني (١/٣١٣،٣١٤) . ٢ صحيح أبي داود (١/١٥٧) .
[ ١ / ١٦٥ ]
يُحصي أحدٌ الثناءَ عليه، ومن كان كذلك فـ لا إله إلا هو أي لا معبود حق سواه١.
فلله ما أعظمَ هؤلاء الكلمات، وما أجلَّ شأنهنَّ، وما أكبرَ الخير المترتّب عليهنّ، فنسأل الله أن يوفقنا للمحافظة والمداومة عليهنّ، وأن يجعلنا من أهلهنّ الَّذين ألسنتهم رطبةٌ بذلك، إنَّه وليّ ذلك والقادر.
_________________
(١) ١ انظر: جزء في تفسير الباقيات الصالحات للعلائي (ص:٤٠) .
[ ١ / ١٦٦ ]