لقد تقدّم معنا ذكرُ شيء من فضائل كلمة التوحيد لا إله إلا الله التي هي خير الكلمات وأفضلُها وأجلُّها، وذِكرُ ما يترتّبُ عليها من أجورٍ كريمةٍ، وفضائلَ عظيمةٍ، وثمارٍ نافعةٍ في الدنيا والآخرة، لكن يجب على المسلم أن يعلمَ أنَّ لا إله إلا الله لا تُقبل من قائلها بمجرّد نطقه لها باللسان فقط، بل لا بدّ من أداء حقّها وفرضها، واستيفاء شروطها الواردة في الكتاب والسنة، وكلُّ مسلمٍ يعلم أنَّ كلَّ طاعةٍ يتقرّب بها إلى الله لا تُقبل منه إلا إذا أتى بشروطها، فالصلاة لا تُقبل إلا بشروطها المعلومة، والحج لا يُقبل إلا بشروطه، وجميع العبادات كذلك لا تُقبل إلاّ بشروطها المعلومة من الكتاب والسنة، وهكذا الشأن في لا إله إلا الله لا تُقبل إلا إذا قام العبد بشروطها المعلومة في الكتاب والسنة.
وقد أشار سلفُنا الصالح ﵏ إلى أهميّة العناية بشروط لا إله إلا الله ووجوب الالتزام بها، وأنَّها لا تُقبل إلا بذلك، ومن ذلك ما جاء عن الحسن البصري ﵀: أنَّه قيل له: إنَّ ناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال: من قال لا إله إلا الله فأدّى حقّها وفرضَها دخل الجنة.
وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددتَّ لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. فقال الحسن: نِعمَ العُدّة، لكن للا إله إلا الله شروطًا فإياك وقذف المحصنات.
وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس مفتاح الجَنَّة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان
[ ١ / ١٧٩ ]
فُتح لك، وإلا لم يُفتح. يشير بالأسنان إلى شروط لا إله إلا الله١.
ثم إنَّه باستقراء أهل العلم لنصوص الكتاب والسنة تبيّن أنَّ لا إله إلا الله لا تُقبل إلا بسبعة شروط وهي:
١ - العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا المنافي للجهل.
٢ - اليقين المنافي للشك والريب.
٣ - الإخلاص المنافي للشرك والرياء.
٤ - الصدق المنافي للكذب.
٥ - المحبّة المنافية للبغض والكره.
٦ - الانقياد المنافي للترك.
٧ - القبول المنافي للردّ.
وقد جمع بعضُ أهل العلم هذه الشروط السبعة في بيتٍ واحدٍ فقال:
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقُك معْ محبّةٍ وانقيادٍ والقَبولُ لها
ولنقِف وقفةً مختصرةً مع هذه الشروط لبيان المراد بكلِّ واحدٍ منها، مع ذِكر بعض أدلّتها من الكتاب والسنة٢.
ـ أما الشرط الأول: وهو العلم بمعناها المراد منها نفيًا وإثباتًا المنافي للجهل، وذلك بأن يعلم من قالها أنَّها تنفي جميع أنواع العبادة عن كلِّ من سوى الله، وتُثبت ذلك لله وحده، كما في قوله سبحانه
_________________
(١) ١ أورد هذه الآثار ابن رجب في "كلمة الإخلاص" (ص:١٤) . ٢ وانظر شرحها موسعًا في: معارج القبول للشيخ حافظ حكمي (١/٣٧٧ وما بعدها) .
[ ١ / ١٨٠ ]
وتعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي نعبدُك ولا نعبد غيرَك، ونستيعن بك ولا نستعين بسواك.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِلاّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢ قال المفسِّرون: إلا من شهد بـ لا إله إلا الله، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: معنى ما شهدوا به في قلوبهم وألسنتهم.
وثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " من مات وهو يعلم أنَّه لا إله إلا الله دخل الجنة"٣، فاشترط ﵊ العلمَ.
ـ أما الشرط الثاني: فهو اليقين المنافي للشك والريب، أي أن يكون قائلها موقنًا بها يقينًا جازمًا لا شك فيه ولا ريب، واليقين هو تمام العلم وكماله، قال الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٤، ومعنى قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي أيقنوا ولم يشكّوا.
وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غيرُ شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة"٥.
_________________
(١) ١ سورة محمد، الآية: (١٩) . ٢ سورة الزخرف، الآية: (٨٦) . ٣ صحيح مسلم (رقم:٢٦) . ٤ سورة الحجرات، الآية: (١٥) .
[ ١ / ١٨١ ]
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: " من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلاَّ الله مستيقنًا بها قلبه فبشِّره بالجنة" ١، فاشترط اليقين.
ـ والشرط الثالث: هو الإخلاص المنافي للشرك والرياء، وذلك إنَّما يكون بتصفية العمل وتنقيته من جميع الشوائب الظاهرة والخفيّة، وذلك بإخلاص النية في جميع العبادات لله وحده، قال تعالى: ﴿أَلاَ للهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٣، وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أسعدُ الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه"٤، فاشترط الإخلاص.
ـ والشرط الرابع: هو الصدق المنافي للكذب، وذلك بأن يقولَ العبدُ هذه الكلمة صادقًا من قلبه، والصدق هو أن يواطئ القلبُ اللسانَ، ولذا قال الله تعالى في ذمِّ المنافقين: ﴿إِذَا جَآءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٥، فوصفهم سبحانه بالكذب؛ لأنَّ ما قالوه بألسنتهم لم يكن موجودًا في قلوبهم، وقال ﷾: ﴿ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٣١) . ٢ سورة الزمر، الآية: (٣) . ٣ سورة البينة، الآية: (٥) . ٤ صحيح البخاري (رقم:٩٩) . ٥ سورة المنافقون، الآية: (١) .
[ ١ / ١٨٢ ]
أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾ ١، وثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁، عن النبي ﷺ قال: " ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله صادقًا من قلبه إلا حرّمه الله على النار"٢، فاشترط الصدق.
ـ الشرط الخامس: المحبَّة المنافية للبغض والكره، وذلك بأن
يحب قائلُها اللهَ ورسولَه ودينَ الإسلام والمسلمين القائمين بأوامر الله الواقفين عند حدوده، وأن يُبغض من خالف لا إله إلا الله وأتى بما يُناقضها من شرك وكفر، وممّا يدل على اشتراط المحبة في الإيمان قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًاّ للهِ﴾ ٣، وفي الحديث: "أوثق عُرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله"٤.
ـ والشرط السادس: القبول المنافي للردّ، فلا بدّ من قبول هذه الكلمة قبولًا حقًا بالقلب واللسان، وقد قصّ الله علينا في القرآن الكريم أنباء من سبق ممّن أنجاهم لقبولهم لا إله إلا الله، وانتقامه وإهلاكه لمن ردّها ولم يقبلها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًاّ عَلَيْنَا نُنجِ المُؤْمِنِينَ﴾ ٥، وقال سبحانه في شأن المشركين:
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت، الآية: (١ - ٣) . ٢ صحيح البخاري (رقم:١٢٨)، وصحيح مسلم (رقم:٣٢) . ٣ سورة البقرة، الآية: (١٦٥) . ٤ مسند الإمام أحمد (٤/٢٨٦)، وحسّنه العلاّمة الألباني في الصحيحة (رقم:١٧٢٨) .
[ ١ / ١٨٣ ]
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ١.
ـ الشرط السابع: الانقياد المنافي للترك؛ إذ لا بد لقائل لا إله إلا الله أن ينقاد لشرع الله، ويُذعنَ لحكمه ويسلمَ وجهه إلى الله إذ بذلك يكون متمسكًا بـ لا إله إلا الله، ولذا يقول تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾ ٢، أي فقد استمسك بـ لا إله إلا الله، فاشترط سبحانه الانقياد لشرع الله، وذلك بإسلام الوجه له سبحانه.
فهذه هي شروط لا إله إلا الله، وليس المرادُ منها عدَّ ألفاظها وحفظَها فقط، فكم من عاميٍّ اجتمعت فيه والتزمها ولو قيل له: اعددها لم يُحسن ذلك، وكم من حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيرًا فيما يناقضها، فالمطلوب إذًا العلم والعمل معًا ليكون المرء بذلك من أهل لا إله إلا الله صدقًا، ومن أهل كلمة التوحيد حقًا، والموفَّق لذلك والمعين هو الله وحده، فنسأله سبحانه أن يوفِّقنا وإياكم لتحقيق ذلك، والحمد لله وحده.
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآية: (٣٥،٣٦) . ٢ سورة لقمان، الآية: (٢٢) .
[ ١ / ١٨٤ ]