تناولت فيما سبق بيان فضل التسبيح وعظيم أجره، وأنَّه مِن أفضلِ الأذكار المأثورة، ومِن أنفع العبادات المشروعة، ومِن أجلِّ الطاعات التي يحبُّها اللهُ من عباده، وقد أوردتُ جملةً طيِّبةً من النصوص القرآنيَّة الكريمة الدّالة على ذلك.
ولعلّ من المناسب هنا أن نقف على بعض النصوص النبويّة الواردة في فضل التسبيح والدّالة على عظيم شأنه ورفيع مكانته. إذ السنّة مليئةٌ بالنصوص الدّالة على عظيم شأن التسبيح، وشريف قدره، وجزيل ثواب أهله، وبيان ما أعدّ الله لهم من أجورٍ كريمةٍ، وأفضالٍ عظيمةٍ، وعطايا جمَّةٍ. وقد تضمّنت تلك النصوص الدلالةَ على ذلك من وجوهٍ كثيرةٍ:
ومن ذلك أنَّ النبيّ ﷺ أخبر أنَّ التسبيح أفضل الكلام وأحبُّه إلى الله، وقد سبق أنْ مرَّ معنا قولُ النبيِّ ﷺ: "أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر"١.
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذرٍّ أنَّ رسول الله ﷺ سُئِل: أيُّ الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته أو لِعباده: سبحان الله وبحمده"٢.
وفي لفظ آخر للحديث أنَّ أبا ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢١٣٧) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٢٧٣١) .
[ ١ / ٢٠٧ ]
أُخبرُك بأحبِّ الكلام إلى الله؟ قلتُ: يا رسول الله أخبرني بأحبِّ الكلام إلى الله. قال: إنَّ أحبَّ الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده"١. فدلّ هذا الحديث على عظيم مكانة هذه الكلمة عند الله ﷿.
ومِن فضائل التسبيح ما أخبر به النبيُّ ﷺ أنَّ مَن قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرّة حُطَّت عنه ذنوبُه ولو كثُرت. ففي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطَّت خطاياه وإن كانت مِثلَ زَبَدِ البحر" ٢.
وثبت عنه ﷺ أنَّ من قالها في الصّباح مائة مرّة وفي المساء مائة مرّة، لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامة بأفضلَ مما جاء به، إلاّ مَن قال مثل ذلك وزاد عليه. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " مَن قال حين يُصبحُ وحين يُمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرّة لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامة بأفضلَ مما جاء به، إلاّ أَحدٌ قال مثل ما قال أو زاد عليه"٣.
وثبت عنه ﷺ أنَّ من قالها في يومٍ مائة مرّة كُتبت له ألفُ حسنةٍ أو حُطَّت عنه ألفُ خطيئةٍ، والحسنةُ بِعشر أمثالها. روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقَّاص ﵁ قال: كُنَّا عند رسول الله ﷺ فقال: "أيَعجزُ أحدُكم أن يكسب كلَّ يومٍ ألفَ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٧٣١) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٦٤٠٥)، وصحيح مسلم (رقم:٢٦٩١) . ٣ صحيح مسلم (رقم:٢٦٩٢) .
[ ١ / ٢٠٨ ]
حسنةٍ؟ فسأله سائلٌ من جلسائِه: كيف يكسب أحدُنا ألفَ حسنة؟ قال: يسبِّح مائة تسبيحة فيُكتبُ له ألفُ حسنةٍ أو يُحطُّ عنه ألفُ خطيئةٍ" ١.
ومما ورد في فضل التسبيح إخبار النبيِّ ﷺ عن ثِقل التسبيح في الميزان يوم القيامة مع خفّة ويسر العمل به في الدنيا. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كلمتان حبيبتان إلى الرّحمن، خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم "٢.
وقوله ﷺ في الحديث: "كلمتان" هي خبرٌ مقَدَّمٌ مُبتَدَؤُه "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"، قال بعض أهل العلم: "والنكتة في تقديم الخبر تشويقُ السّامع إلى المبتدأ، وكلَّما طال الكلام في وصف الخبر حسُن تقديمه؛ لأنَّ كثرةَ الأوصاف الجميلة تزيد السّامع شوقًا"٣. وقد وُصفت الكلمتان في الحديث بثلاثة أوصاف جميلةٍ عظيمةٍ، وهي أنَّهما حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان.
وقد خُصَّ لفظ الرحمن بالذِّكر هنا؛ لأنَّ المقصود من الحديث بيانُ سِعة رحمة الله تعالى على عباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، فما أيسرَ النطق بهاتين الكلمتين على اللسان، وما أعظم أجر ذلك وثوابه عند الكريم الرحمن، وقد وُصفت الكلمتان في الحديث بالخفّة والثقل، الخفّةِ على اللسان
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٦٩٨) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٦٤٠٦)، وصحيح مسلم (رقم:٢٦٩٤) . ٣ فتح الباري لابن حجر (١٣/٥٤٠) .
[ ١ / ٢٠٩ ]
والثقلِ في الميزان، لبيان قلّة العمل وكثرة الثواب. فما أوسعَ فضلَ الله، وما أعظمَ عطاءَه.
ومن فضائل هذه الكلمة العظيمة، ما رواه الترمذي، وابن حبّان، والحاكم، وغيرهم، من طريق أبي الزبير عن جابر ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قال: سبحان الله العظيم وبحمده غُرست له نخلةٌ في الجنَّةِ "١، وله شاهدان:
أحدهما: من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ موقوفًا، خرّجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه٢.
والآخر: من حديث معاذ بن سهل مرفوعًا، خرّجه الإمام أحمد في مسنده٣.
ومن فضائل هذه الكلمة ما رواه الطبراني، والحاكم، من حديث نافع بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن قال سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقالها في مجلس ذكرٍ كانت كالطّابع يطبع عليه، ومَن قالها في مجلس لغوٍ كانت كفَّارة له".
_________________
(١) ١ سنن الترمذي (رقم:٣٤٦٤)، وصحيح ابن حبان (رقم:٨٢٦،٨٢٧)، ومستدرك الحاكم (١/٥٠١)، وصححه العلاّمة الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم:٦٤) . ٢ المصنف (٦/٥٦) . ٣ المسند (٣/٤٤٠) .
[ ١ / ٢١٠ ]
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وصحّحه العلاّمة الألبانيُّ١.
وروى الترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن جلس في مجلس فكثُر فيه لغَطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلاّ غُفر له ما كان في مجلسه ذلك"٢.
فهذه جملةٌ من الأحاديث الواردة في التسبيح والدّالة على عظيم فضله وثوابه عند الله، وفي أكثر هذه الأحاديث قُرن مع التسبيح حمدُ الله تعالى؛ وذلك لأنَّ التسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب، والتحميدُ فيه إثباتُ المحامد كلّها لله ﷿، والإثبات أكملُ مِنَ السّلب، ولهذا لم يَرِد التسبيحُ مجرّدًا، لكن ورد مقرونًا بما يدلّ على إثبات الكمال، فتارةً يُقرنُ بالحمد كما في هذه النصوص، وتارةً يُقرنُ باسم من الأسماء الدّالة على العظمة والجلال، كقول: سبحان الله العظيم، وقول: سبحان ربّي الأعلى، ونحو ذلك٣.
والتنزيه لا يكون مدحًا إلاّ إذا تضمّن معنىً ثبوتيًّا، ولهذا عندما نزَّه الله ﵎ نفسه عمّا لا يليق به ممّا وصفه به أعداء الرُّسل
_________________
(١) ١ المعجم الكبير (رقم:١٥٨٦)، والمستدرك (١/٥٣٧)، والسلسلة الصحيحة (رقم:٨١) . ٢ سنن الترمذي (رقم:٣٤٣٣)، وصحيح ابن حبان (رقم:٥٩٤)، والمستدرك (١/٥٣٦)، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع (رقم:٦١٩٢) . ٣ انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص:٢٠٤) .
[ ١ / ٢١١ ]
سلَّم على المرسلين الذين يثبتون لله صفات كماله ونعوت جلاله على الوجه اللاّئق به، وذلك في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ١، وفي هذه الآية أيضًا حمد الله نفسه بعد أن نزّهها؛ وذلك لأنَّ الحمدَ فيه إثباتُ كمال الصفات، والتسبيحَ فيه تنزيه الله عن النّقائص والعيوب، فجمع في الآية بين التنزيه عن العيوب بالتسبيح وإثبات الكمال بالحمد، وهذا المعنى يرِد في القرآن والسنّة كثيرًا، فالتسبيحُ والحمدُ أصلان عظيمان وأساسان متينان يقوم عليهما المنهجُ الحقُّ في توحيد الأسماء والصفات، وبالله وحده التوفيق.
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآيات (١٨٠ - ١٨٢) .
[ ١ / ٢١٢ ]