تناولتُ فيما سبق فضلَ كلمة التوحيد لا إله إلا الله وفضلَ التسبيح، وهما إحدى الكلمات الأربع التي وصفها رسول الله ﷺ بأنّها أحبّ الكلام إلى الله، وتناولتُ فيها جملة من الأمور المهمّة المتعلّقة بهاتين الكلمتين العظيمتين، وأبدأ الحديث هنا عن الحمد (حمد الله ﵎)، فإنّ له شأنًا عظيمًا وفضلًا كبيرًا، وثوابُه عند الله عظيمٌ، ومنزلته عنده عالية.
فقد افتتح سبحانه كتابه القرآن الكريم بالحمد فقال: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وافتتح بعض السور فيه بالحمد فقال في أول الأنعام: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، وقال في أوَّلِ الكهف: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، وقال في أول سبأ: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾، وقال في أول فاطر: ﴿الحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلاَئِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ ورُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
وافتتح خلقَه بالحمد فقال: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ﴾ ١، واختتمه بالحمد فقال بعد ما ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار: ﴿وَتَرَى المَلآئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ
_________________
(١) ١ سورة: الأنعام، الآية: (١) .
[ ١ / ٢٢٥ ]
رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٢.
فالحمد له سبحانه أوَّله وآخره، وله الحمد في الأولى والآخرة أي في جميع ما خلق وما هو خالق، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣، وقال سبحانه: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ ٤، فهو سبحانه المحمود في ذلك كلِّه كما يقول المصلي: "اللهمّ ربّنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئتَ من شيء بعد".
فهذه النصوصُ دالّةٌ على شُمولِ حمده سبحانه لخلقِه وأمرِه، فهو سبحانه حمد نفسه في أول الخلق وآخره، وعند الأمر والشرع، وحمد نفسه على ربوبيته للعالَمين، وحمد نفسه على تفرّده بالإلهية وعلى حياته، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالاة أحد من خلقه لحاجته إليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ
_________________
(١) ١ سورة: الزمر، الآية: (٧٥) . ٢ سورة: يونس، الآية: (١٠) . ٣ سورة: القصص، الآية: (٧٠) . ٤ سورة: سبأ، الآية: (١) .
[ ١ / ٢٢٦ ]
الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ١، وحمد نفسه على علوّه وكبريائه كما قاله سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ وَلَهُ الكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٢، وحمد نفسه في الأولى والآخرة، وأخبر عن سريان حمده في العالم العلوي والسفلي، ونبّه على هذا كلّه في كتابه في آيات عديدة تدل على تنوّع حمده سبحانه، وتعدّد أسباب حمده، وقد جمعها الله في مواطن من كتابه، وفرّقها في مواطن أخرى ليتعرّف إليه عباده، وليعرفوا كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه، وليتحبّب إليهم بذلك، ويحبّهم إذا عرفوه وأحبّوه وحمدوه٣.
وقد ورد الحمد في القرآن الكريم في أكثر من أربعين موضعًا، جُمع في بعضها أسباب الحمد، وفي بعضها ذُكرت أسبابه مفصّلةً، فمن الآيات التي جُمع فيها أسباب الحمد قوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، وقوله: ﴿لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ﴾ ٤، وقوله: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ٥.
ومن الآيات التي ذُكر فيها أسباب الحمد مفصّلة قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ ٦،
_________________
(١) ١ سورة: الإسراء، الآية: (١١١) . ٢ سورة: الجاثية، الآيات: (٣٦،٣٧) . ٣ انظر: طريق الهجرتين لابن القيّم (ص:٢٢٨) . ٤ سورة: القصص، الآية: (٧٠) . ٥ سورة: سبأ، الآية: (١) . ٦ سورة: الأعراف، الآية: (٤٣) .
[ ١ / ٢٢٧ ]
ففيها حمده على نعمة دخول الجَنّة. وقوله تعالى: ﴿فَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجّاَنَا مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١، ففيها حمده على النصر على الأعداء والسلامة من شرّهم. وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٢، ففيها حمده على نعمة التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده. وقوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ ٣، ففيها حمده سبحانه على هبة الولد. وقوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا﴾ ٤، ففيها حمده سبحانه على نعمة إنزال القرآن الكريم قيّمًا لا عِوج فيه ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ ٥. وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ٦ ففيها حمده سبحانه لكماله وجلاله، وتنزّهه عن النقائص والعيوب، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالله ﵎ هو الحميد المجيد.
و"الحميد" اسم من أسماء الله الحسنى العظيمة، وقد ورد هذا
_________________
(١) ١ سورة: المؤمنون، الآية: (٢٨) . ٢ سورة: غافر، الآية: (٦٥) . ٣ سورة: إبراهيم، الآية: (٣٩) . ٤ سورة: الكهف، الآية: (١) . ٥ سورة: الكهف، الآية: (٢) . ٦ سورة: الإسراء، الآية: (١١١) .
[ ١ / ٢٢٨ ]
الاسم في القرآن الكريم في أكثر من خمسة عشر موضعًا، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ ٥، فهو ﵎ الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو ﵎ المستحق لكل حمد ومحبة وثناء لما اتصف به من صفات الحمد التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال، فهو المحمود على كل حال، وهو سبحانه حميد من جميع الوجوه: "لأنّ جميع أسمائه ﵎ حمدٌ، وصفاته حمد، وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، وانتقامه حمد، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد، والخلق والأمر إنما قام بحمده، ووُجد بحمده، وظهر بحمده، وكان الغاية هي حمده، فحمده سبب ذلك وغايته"، "وجميع ما يوصف به ويُذكر به ويُخبر عنه به فهو محامد له وثناءٌ وتسبيح وتقديس، فسبحانه وبحمده لا يحصي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما
_________________
(١) ١ سورة: فاطر، الآية: (١٥) . ٢ سورة: البقرة، الآية: (٢٦٧) . ٣ سورة: لقمان، الآية: (٢٦) . ٤ سورة: الشورى، الآية: (٢٨) . ٥ سورة: النساء، الآية: (١٣١) .
[ ١ / ٢٢٩ ]
يثني به عليه خلقُه، فله الحمد أولًا وآخرًا حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما ينبغي لكرم وجهه وعِزّ جلاله ورفيع مجده وعلوّ جدّه"١.
وهو سبحانه كما أنَّه محمودٌ على أسمائه وصفاته فهو محمودٌ على فضله وعطائه ونعمائه لما له على عباده "من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته لهم، وبرّه ولطفه وحنانه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ورحمته للعالمين، وابتدائه بالنعم قبل السؤال"، إلى غير ذلك من نعمه وعطائه، وأهمّ ذلك وأعظمه "هدايته خاصَّتَه وعبادَه إلى سبيل دار السلام، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع، وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبّب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين"٢.
فالحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، كما يحب ربّنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعِزّ جلاله، حمدًا يملأ السموات والأرض وما بينهما، وما شاء ربنا من شيء بعد، بمجامع حمده كلّها، ما علمنا منها وما لم نعلم، على نعمِه كلّها ما علمنا منها وما لم نعلم، عدد ما حمده الحامدون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعدد ما جرى به قلمه، وأحصاه كتابه، وأحاط به علمه.
_________________
(١) ١ انظر: طريق الهجرتين لابن القيّم (ص:٢٢٠،٢٣٠) . ٢ انظر: طريق الهجرتين لابن القيّم (ص:٢٣١) .
[ ١ / ٢٣٠ ]