وكما أنّ القرآن الكريم قد دلّ على فضل الحمد وعِظم شأنه بأنواع كثيرة من الأدلة سبق الإشارة إلى طرف منها، فكذلك السنة مليئة بذكر الأدلة على فضل الحمد وعِظم شأنه، وما يترتّب عليه من الفوائد والثمار والفضائل في الدنيا والآخرة، ونبيّنا ﷺ هو صاحب لواء الحمد، وهذه مفخرةٌ عظيمةٌ ومكانةٌ رفيعةٌ حظيَ بها صلوات الله وسلامه عليه، روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواءُ الحمد ولا فخر، وما من نبيٍّ يومئذ آدم فمَن سواه إلاّ تحت لوائي، وأنا أول شافعٍ، وأوّل مشفّعٍ ولا فخر" ١. فلمّا كان صلوات الله وسلامه عليه أحمدَ الخلائق لله، وأكملَهم قيامًا بحمده أُعطي لواءَ الحمد، ليأوي إلى لوائه الحامدون لله من الأولين والآخرين، وإلى هذا أشار ﷺ عندما قال في الحديث: "وما من نبيٍّ يومئذ آدم فمَن سواه إلاّ تحت لوائي"، وهو لواءٌ حقيقيٌّ يحمله النبيُّ ﷺ يوم القيامة بيده ينضوي تحته وينضمّ إليه جميعُ الحمّادين من الأولين والآخرين، وأقربُ الخلق إلى لوائه أكثرُهم حمدًا لله وذِكرًا له وقيامًا بأمره، وأمّتُه ﷺ هي خيرُ الأمم، وهم الحمّادون الذين يحمدون الله على السرّاء والضرّاء، وقد رُوي في الحديث أن النبي ﷺ قال: " أوَّلُ من يُدعى إلى الجنّة الحمّادون، الذين يحمدون الله في السرّاء
_________________
(١) ١ المسند (٣/٢)، وسنن ابن ماجه (رقم:٤٣٠٨)، وسنن الترمذي (٣٦١٥) .
[ ١ / ٢٣١ ]
والضرّاء"، رواه الطبراني في المعجم الكبير، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم في المستدرك، لكن في إسناده ضعف، وقد رواه ابن المبارك في الزهد بسند صحيح موقوفًا على سعيد بن جُبير رحمه الله١.
وجاء في أثر يُروى عن كعب قال: "نجده مكتوبًا محمّدٌ رسول الله ﷺ، لا فظٌّ ولا غليظٌ، ولا صخّابٌ بالأسواق، ولا يجزي بالسيّئة السيّئة، ولكنه يعفو ويغفر، وأمّتُه الحمّادون يكبِّرون الله ﷿ على كلِّ نجدٍ، ويحمدونه في كلِّ منزلة "، رواه الدارمي في مقدّمة سننه٢.
وفي الجَنّة بيتٌ يُقال له بيتُ الحمد، خُصَّ للذين يحمدون الله في السرّاء والضراء ويصبرون على مُرِّ القضاء، روى الترمذي بإسناد حسن عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا مات ولَدُ العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتُم ولدَ عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدَك واسترجع. فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجَنّة وسمُّوه بيتَ الحمد" ٣. فهذا حَمِدَ الله على الضرّاء فنال بحمده هذه الرتبة العلية، ولكن كيف يبلغ العبدُ هذه المنزلة، وكيف يصل إلى هذه الدرجة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والحمد على الضرّاء يوجبه مشهدان:
_________________
(١) ١ انظر: السلسة الضعيفة للألباني (٢/٩٤) . ٢ سنن الدارمي (١/١٦) . ٣ سنن الترمذي (رقم:١٠٢١)، وحسّنه العلاّمة الألباني في الصحيحة (رقم:١٤٠٨) .
[ ١ / ٢٣٢ ]
أحدهما: علم العبد بأنّ الله سبحانه مستوجبٌ ذلك، مستحقٌّ له بنفسه، فإنّه أحسنَ كلَّ شيء خلقه، وأتقن كلَّ شيء، وهو العليم الحكيم، الخبير الرحيم.
والثاني: علمُه بأنّ اختيارَ الله لعبدِه المؤمن خيرٌ من اختياره لنفسه، كما روى مسلمٌ في صحيحه وغيرُه عن النبي ﷺ أنَّه قال: "والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلاّ كان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلاّ للمؤمن، إن أصابته سرّاءُ شكرَ فكان خيرًا له، وإنْ أصابته ضرّاءُ صبر فكان خيرًا له "١، فأخبر النبي ﷺ أنّ كلَّ قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على السرّاء فهو خير له" ٢. اهـ.
فإذا عَلم ذلك العبدُ وتيقّنه أقبل على حمد الله في أحواله كلِّها في سرّائه وضرّائه، وفي شدّته ورخائه، ثم هو في حال شدّته لا ينسى فضلَ الله عليه وعطاءَه ونعمتَه.
جاء رجلٌ إلى يونس بن عبيد ﵀ يشكو ضيقَ حاله، فقال له يونس: "أيسُرُّك ببصرك هذا مائةَ ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيديك مائة ألفِ؟ قال: لا، قال: فبرجليك مائةُ ألفِ؟ قال: لا. قال: فذكّره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٩٩٩) بلفظ: "عجبًا لأمر المؤمن إنَّ أمره كلَّه خير، وليس ذلك لأحد إلاَّ للمؤمن "، الحديث. ٢ مجموع الفتاوى (١٠/٤٣،٤٤) .
[ ١ / ٢٣٣ ]
وجاء عن سلمان الفارسي ﵁ أنَّه قال: "إنّ رجلًا بُسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه، فجعل يحمدُ الله ويثني عليه حتى لم يكن له فراشٌ إلاّ بارِيَّةٌ١، قال: فجعل يحمدُ الله ويثني عليه، وبُسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب الباريّة: أرأيتك أنت على ما تحمد الله؟ قال: أحمده على ما لو أُعطيت به ما أُعطي الخلق لم أعطِهم إيّاه. قال: وما ذاك؟ قال: أرأيتك بصرك، أرأيتك لسانك، أرأيتك يديك، أرأيتك رجليك "٢.
وثبت في فضل الحمد ما رواه الترمذي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الذِكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله"٣، فجعل صلوات الله وسلامه عليه حمدَ الله أفضلَ الدعاءِ، مع أنَّ الحمد إنّما هو ثناءٌ على المحمود مع حبِّه، ولهذا سُئل ابن عيينة ﵀ عن هذا الحديث فقيل له: كأنّ الحمد لله دعاء؟ فقال: "أما سمعتَ قولَ أمية بن أبي الصلت لعبد الله ابن جدعان يرجو نائلة:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن شيمتَك الحياءُ
إذا أثنى عليك المرءُ يوما كفاه من تعرضه الثناء
كريم لا يغيره صباحٌ عن الخلق الجميلِ ولا مساءُ
_________________
(١) ١ الحصير المنسوج. القاموس المحيط (ص:٤٥٢) . ٢ ذكرهما ابن القيّم في عِدة الصابرين (ص:١٦٧) . ٣ سنن الترمذي (رقم:٣٣٨٣)، وسنن ابن ماجه (رقم:٣٨٠٠)، وحسّنه العلامة الألباني في صحيح الجامع (رقم:١١٠٤) .
[ ١ / ٢٣٤ ]
فهذا مخلوقٌ اكتفى من مخلوقٍ بالثناء عليه، فكيف بالخالق سبحانه".
ويؤيّد هذا المعنى قولُ الله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ١، فجعل الحمدَ دعاء.
قال ابن القيّم ﵀: "الدعاء يُراد به دعاءُ المسألة ودعاء العبادة، والمُثنِي على ربّه بحمده وآلائه داعٍ له بالاعتبارين، فإنَّه طالبٌ منه، طالبٌ له، فهو الداعي حقيقة، قال تعالى: ﴿هُوَ الحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٢") ٣.
وممّا ورد في فضل الحمد وعِظم ثوابه عند الله ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الطَهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ برهانٌ، والصَّبرُ ضِياءٌ، والقرآن حجّةٌ لك أو عليك، كلُّ الناس يغدو فبائعٌ نفسَه فمعتقُها أو موبقُها" ٤.
فأخبر ﷺ في هذا الحديث عن عظيم فضل الحمد وعظيم ثوابه، وأنَّه يملأ الميزان، وقد قيل: إنَّ المراد بملائه الميزان أي: لو كان الحمد جسمًا لملأ الميزان، وليس بسديد، بل إنَّ الله ﷿ يمثّل أعمال بني آدم وأقوالهم صُوَرًا يوم القيامة وتوزن حقيقةً، ومن ذلك قوله ﷺ كما في
_________________
(١) ١ سورة: يونس، الآية: (١٠) . ٢ سورة: غافر، الآية: (٦٥) . ٣ صيغ الحمد المطبوع باسم مطالع السعد (ص:٩٠) . ٤ صحيح مسلم (رقم:٢٢٣) .
[ ١ / ٢٣٥ ]
الصحيحين: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"١.
فالحمد شأنُه عظيمٌ، وثوابُه جزيلٌ، ويترتّب عليه من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلاّ الله، وأهله هم الحَرِيُّون يوم القيامة بأعلى المقامات وأرفع الرُّتب وأعلى المنازل، فإنّ الله ﷿ يحبُّ المحامدَ، ويحبُّ من عبده أن يُثنيَ عليه، ويرضى عن عبده أن يأكلَ الأكْلةَ فيحمده عليها، ويشربَ الشربَةَ فيحمده عليها، وهو ﵎ المانُّ عليهم بالنعمة والمتفضِّل عليهم بالحمد، فهو يبذل نعمه لعباده، ويطلبُ منهم الثناءَ بها وذكرها والحمد عليها، ويرضى منهم بذلك شكرًا عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شكرهم، لكنه يحبُّ ذلك من عباده حيث كان صلاحُ العبد وفلاحُه وكمالُه فيه، فلله الحمد على نعمائه، وله الشكر على وافر فضله وجزيل عطائه حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا كما يحبُّ ربُّنا ويرضى.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٦٠٤٩)، وصحيح مسلم (رقم:٢٦٩٤) .
[ ١ / ٢٣٦ ]