لقد مرّ معنا بيانُ فضل الحمد وعظيم ثوابه من خلال النصوص الواردة في ذلك في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهي تدل على أنّ الحمد من أفضل الطاعات وأجلِّ القُربات التي يتقرّب بها العبدُ إلى الله تعالى.
والحمدُ مطلوبٌ من المسلم في كلِّ وقت وحين؛ إذ إنَّ العبد في كلِّ أوقاته متقلِّبٌ في نعمة الله، وهو سبحانه خالقُ الخلق ورازقهم، وأسبغ عليهم نعمَه ظاهرة وباطنة، دينية ودنيوية، ودفع عنهم النِّقم والمكاره، فليس بالعبادٍ من نعمة إلاّ وهو مولّيها، ولا يدفع الشرَّ عنهم سواه، فهو سبحانه يستحقّ منهم الحمد والثناء في كلِّ وقتٍ وحين، كما أنّه سبحانه يستحقُّ الحمدَ لكمال صفاته، ولِما له من الأسماء الحسنى والنعوت العظيمة التي لا تنبغي إلاّ له، فكلُّ اسم من أسمائه، وكلُّ صفةٍ من صفاته يستحقُّ عليها أكملَ الحمد والثناءِ، فكيف بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العظيمة.
وكما أنَّ الحمدَ مطلوبٌ من المسلم في كلِّ وقتٍ، إلاَّ أنَّ هناك أوقاتًا معيّنةً وأحوالًا مخصوصةً تمرُّ بالعبد يكون فيها الحمدُ أكثرَ تأكيدًا.
ومن هذه الأوقات والأحوال حمدُ الله في الخطبة وفي استفتاح الأمور، وفي الصلاة، وعقِب الطعام والشراب واللباس، وعند العطاس، ونحو ذلك من المواطن التي ورد في السنة تخصيصها بتأكّد الحمد فيها، ولعلّ من الحسن أن نقف مع بعض النصوص المشتملة على ذكر الأوقات والمواطن التي يتأكّد فيها الحمدُ ممّا وردت به سنّة النبي ﷺ.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ـ فمن هذه المواطن حمد الله عند الفراغ من الطعام والشرب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ١، روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلةَ فيحمدُه عليها ويشربَ الشربةَ فيحمدُه عليها" ٢، وروى الترمذي بإسناد حسن عن معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أكلَ طعامًا فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ منِّي ولا قوّةٍ، غفر له ما تقدّم من ذنبه "٣، وروى البخاري عن أبي أمامة ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مُباركًا فيه، غير مَكْفِيٍّ، ولا مُوَدَّعٍ، ولا مستغنى عنه ربّنا "٤، وروى النسائي في السنن الكبرى بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن جُبير: أنّه حدّثه رجل خَدمَ النبيِّ ﷺ ثمان سنين أنّه كان يسمع النبيَّ ﷺ إذا قَرَّب إليه طعامًا يقول: "بسم الله"، وإذا فرغ من طعامه قال: "اللهمَّ أطعمتَ وسقيتَ وأغنيتَ وأقْنيتَ وهدَيتَ وأحييتَ، فلك الحمد على ما أعطيتَ"٥.
ـ ومِن مواطن الحمد حمدُ الله في الصلاة، ولا سيّما عند الرفع من
_________________
(١) ١ سورة: البقرة، الآية: (١٧٢) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٢٧٣٤) . ٣ سنن الترمذي (رقم:٣٤٥٨)، وحسّنه العلاّمة الألباني في الإرواء (٧/٤٨) . ٤ صحيح البخاري (رقم:٥٤٥٩) . ٥ السنن الكبرى (رقم:٦٨٩٨) .
[ ١ / ٢٣٨ ]
الركوع، ففي صحيح مسلم عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه قال: "سمع الله لمن حمده ربّنا لك الحمد ملءَ السموات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بعد "١، وفيه أيضًا عن أبي سعيد الخدري: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهمَّ ربَّنا لك الحمد، ملءَ السموات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئتَ من شيء بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبدُ، وكلُّنا لك عبد، اللهمَّ لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطِيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدّ"٢، وروى البخاري في صحيحه عن رفاعة بن رافع الزُّرَقيِّ ﵁ قال: كنَّا نصلي وراء النبي ﷺ فلما رفع رأسَه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده"، قال رجلٌ وراءه: ربّنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، فلمّا انصرف قال: "مَن المتكلِّم؟ " قال: أنا، قال: "قد رأيتُ بضعةً وثلاثين مَلَكًا يبتدرونها أيّهم يكتبها أوّل "٣، وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: أنَّ النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهمَّ لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمدُ أنت قيُّوم السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت الحقُّ، ووعدُك حقٌّ، ولقاؤُك حقٌّ، والجنّةُ حقٌّ، والنار حقٌّ، والنبيّون "،
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٧٧١) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٤٧٧) . ٣ صحيح البخاري (رقم:٧٩٩) .
[ ١ / ٢٣٩ ]
إلى آخر الحديث١. وروى مسلمٌ في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ قال رجلٌ: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بُكرةً وأصيلًا، فقال النبي ﷺ: "مَن القائل كذا وكذا؟ " فقال رجل من القوم: أنا قلتُها يا رسول الله. قال: "عجبتُ لها فُتحت لها أبواب السماء"، قال ابن عمر: فما تركتها منذ سمعت رسول الله يقولهنَّ٢.
ـ ومن المواطن التي يتأكّد فيها الحمد حمدُ الله في ابتداء الخُطب والدروس، وفي ابتداء الكتب المصنّفة ونحوِ ذلك، روى أهل السنن عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: علَّمنا رسول الله ﷺ خُطبةَ الحاجة: "الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلّ فلا هادي له"٣، ويُستحبّ البدء به في تعليم الناس وفي الخطب سواءً كانت خطبةَ نكاح أو خطبةَ جمعة أو غيرهما.
كما يُستحبُّ الحمد عند حصول نعمة أو اندفاع مكروه، سواءً حصل ذلك للحامِد نفسه أو لقريبه أو لصاحبه أو للمسلمين، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁: "أنَّ النبي ﷺ أُتي
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:١١٢٠)، وصحيح مسلم (رقم:٧٦٩) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٦٠١) . ٣ سنن النسائي (٦/٨٩)، وسنن الترمذي (رقم:١١٠٥)، وسنن أبي داود (رقم:٢١١٨)، وسنن ابن ماجه (١٨٩٢)، وانظر في تخريج الحديث والكلام عليه "خطبة الحاجة" للألباني حفظه الله.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ليلة أُسريَ به بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما فأخذ اللبن، فقال له جبريل ﵇: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذتَ الخمر غَوَت أمَّتُك"١، وفي سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ النبي ﷺ كان إذا استجدَّ ثوبًا سمّاه باسمه عِمامة أو قميصًا أو رداء ثم يقول: " اللهمّ لك الحمد أنتَ كسوتنيه أسألك خيرَه وخيرَ ما صُنع له، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنع له"٢.
ـ ويتأكّد الحمدُ إذا عطس العبدُ، والعطاس نعمة عظيمة من نعم الله على عباده؛ إذ به يزول المحتقن في الأنف، والذي قد يكون في بقائه أذى أو ضررٌ على العبد، ولهذا يتأكّد على العبد حمدُ الله على هذه النعمة، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقُل: الحمد لله، وليَقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلحُ بالَكم"٣.
ويُستحب للمسلم أن يحمد الله إذا رأى مبتلىً بعاهةٍ أو نحوها، ففي الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَن رأى مبتلىً فقال: الحمد لله الذي عافاني ممّا ابتلاك به وفضّلني على كثير ممّن خلق تفضيلًا لم يصبه ذلك البلاءُ" ٤.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:١٦٨) . ٢ سنن أبي داود (رقم:٤٠٢٠)، والسنن الكبرى النسائي (رقم:١٠١٤١) . ٣ صحيح البخاري (رقم:٦٢٢٤) . ٤ سنن الترمذي (رقم:٣٤٣٢)، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع (رقم:٦٢٤٨)
[ ١ / ٢٤١ ]
كما ينبغي للمسلم أن يكون حامدًا لله في سرّائه وضرّائه، وفي شدّته ورخائه، وفي سائر شؤونه، وروى ابن ماجه في سننه، والحاكم في مستدركه عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يحبّه قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات"، وإذا رأى ما يكره قال: "الحمد لله على كلِّ حال"١.
فهذه بعضُ المواطن التي يتأكّد فيها الحمد مما وردت به السنة، وسيمرّ معنا بإذن الله الإشارةُ إلى مواطن أخرى، فالحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربُّنا ويرضى، حمدًا لا ينقطع ولا يبيد ولا يفنى عدد ما حمده الحامدون، وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه (رقم:٣٨٠٣)، والمستدرك (١/٤٩٩)، وصححه العلاّمة الألباني في صحيح الجامع (رقم:٤٧٢٧) .
[ ١ / ٢٤٢ ]