تقدّم معنا الإشارةُ إلى شمول حمد الله سبحانه وتناوله لجميع ما يُحدِثه من إحسان ونعمة وغير ذلك وأنَّ حمدَه سبحانه هو موجبُ أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة. وبهذا يتبيَّن أنَّ حمد الله نوعان: حمدٌ على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمدٌ لما يستحقُّه هو بنفسه من صفات كماله ونعوت جلاله سبحانه، وقد كان أكثر الحديث عن حمد الله على أسمائه الحسنى وصفاته العظيمة، وأنَّ علم العبد بها علمًا صحيحًا هو من أعظم موجبات قيامه بحمد الله على أحسن وجه وأتمِّ حالٍ، وأماَّ الحديث هنا فسيكون عن النوع الثاني من أنواع الحمد وهو حمد الله على نعمه وآلائه.
يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاَنَّى تُأْفَكُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّموَاتِ وَمَا فِيِ الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ ٤، فنِعمُ الله على عباده كثيرةٌ ومتنوّعةٌ، وكلُّ نعمة منها موجبة لحمد المُنعِم سبحانه،
_________________
(١) ١ سورة: فاطر، الآية: (٣) . ٢ سورة: لقمان، الآية: (٢٠) . ٣ سورة: النحل، الآية: (٥٣) . ٤ سورة: إبراهيم، الآية: (٣٤) .
[ ١ / ٢٤٩ ]
وكما أنَّ أسباب الحمد وموجباته متنوِّعةٌ متعدِّدةٌ، فكذلك الحمدُ تنوَّع بتنوّعها وكثُرَ بكثرتها، وقد فصَّل ابن القيّم ﵀ الحديث عن هذا النوع في كتابه "طريق الهجرتين"، وذكر ﵀ أنَّ هذا النوع من الحمد حمد النِّعم والآلاء مشهودٌ للخليقة برِّها وفاجرِها، مؤمنِها وكافرِها من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته لهم، وبرّه ولطفه وحنانه وإجابته لدعوات المضطرّين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ورحمته للعالمين، وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق، بل ابتداءً منه بمجرّد فضله وكرمه وإحسانه، ودفع المِحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفها بعد وقوعها، ولطفه تعالى في ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهداية خاصّته وعباده إلى سبيل دار السلام، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع، وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبّب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، وسمّاهم المسلمين مِن قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وأعطاهم قبل أن يسألوه، وتحبّب إليهم بنعمه مع غناه، وتبغضّهم إليه بالمعاصي وفقرهم إليه، ومع هذا كلِّه فاتّخذ لهم دارًا، وأعدّ لهم فيها من كلِّ ما تشتهيه الأنفسُ وتلَذُّ الأعين، وملأها من جميع الخيرات، وأودعها من النَّعيم والحَبرة والسرور والبهجة ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم أرسل إليهم الرّسل يدعونهم إليها،
[ ١ / ٢٥٠ ]
ثم يسَّر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها، ورضي منهم باليسير في هذه المدّةِ القصيرة جدًّا بالإضافة إلى بقاء دار النعيم، وضَمِن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشرًا، وإن أساءوا واستغفروا أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جَنَوه من السيّئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات وذكّرهم بآلائه، وتعرَّف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانًا، لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عمّا نهاهم عنه حمايةً وصيانةً لهم لا بُخلًا منه عليهم، وخاطبهم بألطف خطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصّاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال، ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال، وصرّف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرقَ العلم به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرّفهم الأسباب التي تدنيهم مِن رضاه، وتبعدهم عن غضبه، ويخاطبهم بألطف الخطاب، ويسمّيهم بأحسن أسمائهم، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ﴾ ١، ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ ٢، ﴿قُلْ لِعِبَادِي﴾ ٣، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي﴾ ٤، فيخاطبهم بخطاب الوِداد والمحبّة والتلطّف، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
_________________
(١) ١ سورة: النور، الآية: (٣١) . ٢ سورة: الزمر، الآية: (٥٣) . ٣ سورة: إبراهيم، الآية: (٣١) . ٤ سورة: البقرة، الآية: (١٨٦) .
[ ١ / ٢٥١ ]
تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ﴾ ٢، ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ٣، وأكثرُ القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودّد والتحنّن واللطف والنصيحة البالغة.
يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ٤، قال ابن القيّم ﵀: "فتحت هذا الخطاب: إني عاديت إبليس وطردتُه من سمائي وباعدته من قربي؛ إذ لم يسجد لأبيكم آدم، ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريّته من دوني وهم أعداؤكم، فليتأمّل اللبيبُ مواقع هذا الخطاب وشدّة لصوقه بالقلوب والتباسه بالأرواح.
ثم إنَّه سبحانه قد أعلمَ عباده بأنَّه لا يرضى لهم إلاّ أكرمَ الوسائلِ وأفضلَ المنازلِ، وأجَلَّ العلوم والمعارفِ، قال تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنكُمُ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ٥، وقال: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ ٦، وقال:
_________________
(١) ١ سورة: البقرة، الآيات: (٢١،٢٢) . ٢ سورة: لقمان، الآية: (٣٣) . ٣ سورة: الإنفطار، الآية: (٦) . ٤ سورة: الكهف، الآية: (٥٠) . ٥ سورة: الزمر، الآية: (٧) . ٦ سورة: المائدة، الآية: (٣) .
[ ١ / ٢٥٢ ]
﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٢.
ثم هو سبحانه لم يخلق عبادَه لحاجة منه إليهم، ولا ليتكثَّر بهم من قلّةٍ، ولا ليتعزَّز بهم من ذِلَّة، بل كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينِ﴾ ٣، وقال سبحانه عقِب أمره لعباده بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنَيٌّ حَمِيدٌ﴾ ٤، فهو سبحانه غنيٌّ عما ينفقون أن ينالَه منه شيء، حميد مستحقٌّ المحامد كلّها، فإنفاق العباد لا يسدُّ منه حاجة ولا يوجب له حمدًا، بل هو الغنيُّ بنفسه، الحميد بنفسه وأسمائه وصفاته، وإنفاقُ العباد نفعه عائدٌ لهم وإحسانهم عائدٌ إليهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ٥، وقال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِمْ
_________________
(١) ١ سورة: البقرة، الآية: (١٨٥) . ٢ سورة: النساء، الآيات: (٢٦ - ٢٨) . ٣ سورة: الذاريات، الآيات: (٥٦ - ٥٨) . ٤ سورة: البقرة، الآية: (٢٦٧) . ٥ سورة: الإسراء، الآية: (٧) .
[ ١ / ٢٥٣ ]
يَمْهَدُونَ﴾ ١، وقال: ﴿مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ ٢") ٣.
هذا ومن أراد مطالعة أصول النِّعم وما توجبه من حمد الله وذكرِه وشكره وحسن عبادتِه فَليُدِمْ سرح الذِّكر في رياض القرآن الكريم، وليتأمّل ما عدّد الله فيه من نعمه وتعرّف بها إلى عباده من أول القرآن إلى آخره ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ وَلَهُ الكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة: الروم، الآية: (٤٤) . ٢ سورة: يونس، الآية: (١٠٨) . ٣ انظر: طريق الهجرتين لابن القيّم (ص:٢٣١ - ٢٣٧) . ٤ سورة: الجاثية، الآيات: (٣٦،٣٧) .
[ ١ / ٢٥٤ ]