لا رَيب في عِظم شأن الحمدِ وجلالة قدره وكثرةِ ثوابه، فهو من أجلّ الطاعات وأحسن القُربات، وهو أحقُّ ما تقرّب به العبد إلى ربّه سبحانه. ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "ربّنا ولك الحمد، ملءَ السموات، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبد لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجَد منك الجد"١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " هذا لفظ الحديث
"أحقُّ" أفعل تفضيل، وقد غلط فيه طائفةٌ من المصنِّفين فقالوا "حقٌ ما قال العبد" وهذا ليس لفظ الرسول، وليس هو بقول سديد، فإنَّ العبدَ يقول الحقَّ والباطل، بل الحقُّ ما يقوله الربُّ، كما قال تعالى ﴿فَالحَقُّ وَالحَقَ أَقُولُ﴾ ٢، ولكن لفظه "أحقُّ ما قال العبد" خبر مبتدأ محذوف، أي الحمدُ أحقُّ ما قال العبد أو هذا - وهو الحمد - أحقُّ ما قال العبد، ففيه بيّن أنّ الحمد أحق ما قاله العبد، ولهذا أوجب قولَه في كلِّ صلاة، وأَنْ تُفْتَتَحَ به الفاتحة، وأوجب قولَه في كلِّ خطبة وفي كلِّ أمر ذي بال"٣. اهـ.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٤٧٧) . ٢ سورة: ص، الآية: (٨٤) . ٣ الفتاوى (١٤/٣١٢) .
[ ١ / ٢٥٥ ]
والحمد هو أفضل نعم الله على عباده، وهو أجل من نعم الله التي أنعم بها على العبد من رزقه وعافيته وصحته والتوسعةِ عليه في دنياه ونحوِ ذلك، ويشهد لهذا ما رواه ابنُ ماجه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أنعم الله على عبد بنعمة فقال: " الحمد لله إلا كان ما أعطى أفضل ممّا أخذ "١.
وروي هذا أيضًا عن الحسن البصري موقوفًا عليه، رواه ابن أبي الدنيا في كتابه الشكر، وروى ابن أبي حاتم في تفسيره أنّ بعض عمال عمر بن عبد العزيز كتب إليه: إني بأرضٍ قد كثرت فيها النعم، حتى لقد أشفقتُ على أهلها من ضعف الشكر، فكتب إليه عمر: "إنِّي قد كنت أراك أعلم بالله ممّا أنت، إنَّ الله لم ينعم على عبده نعمة، فحمد الله عليها إلا كان حمدُه أفضلَ من نعمه، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ٢، وقال الله ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتَى إِذَا جَآؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ ٣، وأيُّ نِعمة أفضل من دخول الجنة".
_________________
(١) ١ سنن اين ماجه (رقم:٣٨٠٥)، وحسّنه العلاّمة الألباني كما في السلسلة الضعيفة (٥/٢٤) . ٢ سورة: النمل، الآية: (١٥) . ٣ سورة: الزمر، الآية: (٧٣،٧٤) .
[ ١ / ٢٥٦ ]
فهذا فيه أوضحُ دلالةٍ على أنَّ حمدَ الله على النِّعمة أفضلُ منَ النِّعمة نفسها، وقد استشكل هذا بعضُ أهل العلم وقال: لا يكون فعلُ العبد أفضلَ من فعل الربِّ ﷿، أورد هذا الاستشكال ابنُ رجب في كتابه "جامع العلوم والحكم" وأجاب عنه جوابًا وافيًا مسدَّدًا فقال ﵀: "المرادُ بالنِّعمِ النِّعمُ الدنيويةُ، كالعافية والرزق والصحة ودفع المكروه ونحوِ ذلك، والحمدُ هو من النعم الدينية، وكلاهما نعمةٌ من الله، لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من نعمه الدنيوية على عبده، فإنَّ النِّعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشكرُ كانت بليَّة، كما قال أبو حازم: كلُّ نعمة لا تقرِّب من الله فهي بلية. فإذا وفَّق الله عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر كانت هذه النعمة خيرًا من تلك النعم وأحبَّ إلى الله ﷿ منها، فإنَّ الله يحب المحامد، ويرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها، والثناء بالنعم والحمد عليها وشكرها عند أهل الجود والكرم أحبُّ إليهم من أموالهم، فهم يبذلونها طلبًا للثناء، والله ﷿ أكرمُ الأكرمين وأجودُ الأجودين، فهو يبذل نعمه لعباده، ويطلب منهم الثناء بها وذكرها والحمد عليها، ويرضى منهم بذلك شكرًا عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غيرُ محتاجٍ إلى شكرهم، لكنَّه يُحبُّ ذلك من عباده، حيث كان صلاحُ العبد وفلاحُه وكمالُه فيه، ومن فضله أنَّه نسب الحمدَ والشكرَ إليهم، وإن كان من أعظم نعمه عليهم، وهذا كما أنَّه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال ثمَّ استقرض منهم بعضَه ومَدَحَهم بإعطائه، والكلُّ ملكه، ومن
[ ١ / ٢٥٧ ]
فضله، ولكن كرمه اقتضى ذلك"١. اهـ كلامه ﵀.
وبه يتبين معنى الحديث المتقدم: "ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان ما أعطى أكثر مما أخذ" فالعبد أعطى الحمد، وحمده نفسه نعمة من الله عليه، ولولا توفيقُ الله وإعانتُه لما قام بحمده، فنعمة الله على عبده بتوفيقه للحمد أفضل من نعمة الله عليه بالصحة والعافية والمال ونحو ذلك، والكلُّ نعمة الله، قال ابن القيم ﵀: "فنعمة الشكر أجَلُّ من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها"٢. اهـ.
ولهذا فإنَّ حمد الله ﷿ وشكره على نعمه هو بحَدِّ ذاته نعمةٌ عظيمةٌ تستوجب حمدًا آخر وشكرًا متجددًا.
روى ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر عن بكر بن عبد الله قال: "ما قال عبد قط الحمد لله إلا وجبت عليه نعمة بقوله: الحمد لله فما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول الحمد لله فجاءت أخرى، ولا تنفد نعم الله ﷿ "٣.
ولذا قال الإمام الشافعي ﵀ في حمد الله: "الحمد لله الذي لا تؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها"٤.
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم (٢/٨٢،٨٣) . ٢ عدة الصابرين (ص:١٦٩) . ٣ الشكر (ص:١٧) . ٤ أورده ابن كثير في تفسيره (٢/٥٤٠) .
[ ١ / ٢٥٨ ]
أيْ إنَّ العبد إذا حمد الله فهذه نعمة أخرى حادثة تستوجب حمدًا آخر.
قال ابن أبي الدنيا: أنشدني محمود الورّاق:
إذا كان شُكري نعمةَ الله نعمةً عَلَيَّ له في مثلِها يجبُ الشُّكرُ
فكيف وقوعُ الشكرِ إلاَّ بفضله وإن طالت الأيامُ واتَّصَلَ العُمْرُ
إذا مسَّ بالسرَّاء عَمّ سرورُها وإذا مسَّ بالضرَّاء أعقَبها الأجْرُ
وما منهما إلاَّ فيه منّةٌ تَضِيقُ بهَا الأَوْهامُ والبِرُّ والبحرُ١
وقال آخر في المعنى نفسه
لو كلُّ جارحةٍ منِّي لها لغةٌ تثني عليكَ بما أوْلَيْتَ من حَسَنِ
لكان ما زاد شكري إذ شكرتُ به إليك أبلغَ في الإحسانِ والمِنَنِ٢
فاللَّهمَّ لك الحمد شكرًا، ولك المن فضلًا، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، لك الحمد بكلِّ نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو خاصة أو عامة، لك الحمد على ذلك حمدًا كثيرًا، اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد ربَّنا إذا رضيت.
_________________
(١) ١ الشكر (ص:٤٤) . ٢ أورده ابن كثير في تفسيره (٢/٥٤٠) .
[ ١ / ٢٥٩ ]