تقدّم بيانُ فضل الحمد وعظم ثوابه عند الله، والإشارةُ إلى بعض صِيَغه الواردة في القرآن الكريم وفي أحاديث الرسول الكريم ﷺ، كقول: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، وقول: "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحب ربّنا ويرضى"، ونحو ذلك مما ورد في القرآن الكريم مما حمد به الربُّ نفسه، وما ورد في سنة النبي الكريم ﷺ مما حمد به الرسول ﷺ ربَّه، وهي صيغٌ عظيمةٌ مشتملةٌ على أحسن الحمد وأكمله وأوفاه، وقد ذكر بعضُ أهل العلم أنَّ أفضل صيغ الحمد "الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده"، واحتجّ بما ورد عن أبي نصر التمّار أنَّه قال: قال آدم ﵇: يا رب شغلتَني بكسب يديّ فعلّمني شيئًا من مجامع الحمد والتسبيح، فأوحى الله إليه يا آدمُ إذا أصبحت فقل ثلاثًا وإذا أمسيت فقل ثلاثًا: "الحمدلله ربِّ العالمين حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، فذلك مجامع الحمد".
وقد رُفع ذلك للإمام المحقق ابن قيِّم الجوزية ﵀ فأنكره على قائله غايةَ الإنكار وبيَّن ﵀ أنَّ ذلك لم يَرِد عن النبي ﷺ في شيء من الصحاح أو السنن أو المسانيد ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وبَسَط القول ﵀ في ذلك في رسالة مفردة.
قال ﵀: "هذا الحديث ليس في الصحيحين ولا في أحدهما ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وإنَّما يُروى عن أبي نصر التمّار عن آدم أبي البشر، لا يَدري كم بين
[ ١ / ٢٦٠ ]
أبي نصر وآدم إلا الله تعالى، وذكر الحديث المتقدّم ثم قال: فهذا لو رواه أبو نصر التمّار عن سيِّد ولد آدم ﷺ لما قبلت روايته لانقطاع الحديث فيما بينه وبين رسول الله ﷺ فكيف بروايته له عن آدم.
وقد ظنَّ طائفة من الناس أنَّ هذا الحمد بهذا اللفظ أكمل حمدٍ حُمِد اللهُ به وأفضله وأجمعه لأنواع الحمد، وبنوا على هذا مسألة فقهيّة فقالوا: لو حلف إنسانٌ ليحمدنَّ اللهَ بمجامع الحمد وأجلِّ المحامد فطريقه في برِّ يمينه أن يقول: "الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده" قالوا: ومعنى يوافي نعمه أي يلاقيها فتحصل النعم معه، ويكافئ - مهموز - أي يساوي مزيد نعمه، والمعنى: أنَّه يقوم بشكر ما زاد من النعم والإحسان".
قال ابن القيِّم ﵀: والمعروف من الحمد الذي حمد الله به نفسه وحمده به رسوله ﷺ وسادات العارفين بحمده من أمته ليس فيه هذا اللفظ ألبتة، وأورد بعض صيغ الحمد الواردة في القرآن ثم قال: فهذا حمدُه لنفسه الذي أنزله في كتابه وعلَّمه لعباده، وأخبر عن أهل جنَّته به، وهو آكد من كلِّ حمدٍ وأفضلُ وأكملُ، كيف يبرُّ الحالف في يمينه بالعدول إلى لفظ لم يحمد به نفسه، ولا ثبت عن رسول الله ﷺ، ولا سادات العارفين من أمته، والنبي ﷺ كان إذا حمد الله في الأوقات التي يتأكّد فيها الحمد لم يكن يذكر هذا الحمدَ ألبتة كما في حمد الخطبة، والحمد الذي تستفتح به الأمور، وكما في تشهّد الحاجة، وكما في الحمد عقب الطعام والشراب واللباس والخروج من الخلاء، والحمد عند رؤية ما يسرّه وما لا يسرّه ".
[ ١ / ٢٦١ ]
ثم ساق ﵀ جملةً كبيرةً مما ورد عن النبي ﷺ من صيغ الحمد مما يقال في مثل هذه الأوقات، ثم قال: "فهذا جُملُ مواقع الحمد في كلام الله ورسوله وأصحابه والملائكة قد جُلِّيتْ عليك عرائسها وجُلِبَتْ إليك نفائسها، فلو كان الحديث المسؤول عنه أفضلَها وأكملَها وأجمعَها كما ظنّه الظانّ لكان واسطة عقدها في النظام، وأكثرِها استعمالًا في حمد ذي الجلال والإكرام"١. اهـ.
وبهذا التحقيق الذي ذكره ﵀ يتبيّن ضعف هذه الصيغة في الحمد من جهة الرواية، وأنها لو كانت صحيحةً ومشتملةً على أكمل الصيغ لما عدل عنها رسول الله ﷺ، ولما آثر غيرها عليها، قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يستحبّ الجوامع من الدعاء، ويدَعُ ما سوى ذلك"، رواه أبو داود وغيرُه.
وسبق أن مرّ معنا قول النبي ﷺ: "أفضلُ الدعاء الحمد لله"، وبهذا يُعلم أنَّ هذه الصيغة في الحمد لو كانت أكملَ لما تركها رسول الله ﷺ.
ثم إنَّه أيضًا لا يمكن للعبد أن يحمد الله حمدًا يوافي نعمة واحدة من نعم الله، فضلًا عن موافاته جميع نعم الله، ولا يمكن أن يكون فعلُ العبد وحمدُه له مكافئًا للمزيد، قال ابن القيّم ﵀: "فهذا من أمحل المحال، فإنّ العبد لو أقْدَرَه الله على عبادة الثَّقلين لم يقم بشكر أدنى نعمة عليه فمن الذي يقوم بشكر ربِّه الذي يستحقه سبحانه فضلًا عن أن يكافئه"٢.
_________________
(١) ١ صيغ الحمد المطبوع باسم مطالع السعد (ص:٩٨) . ٢ صيغ الحمد المطبوع باسم مطالع السعد (ص:٤١،٤٤) .
[ ١ / ٢٦٢ ]
وقال ﵀: " ولكن يحمل على وجه يصح، وهو أنَّ الذي يستحقه الله سبحانه من الحمد حمدًا يكون موافيًا لنعمه ومكافئًا لمزيده وإن لم يَقدِر العبدُ أن يأتي به"١.
وأحسنُ من هذا وأكملُ ما ثبت في صحيح البخاري وغيره عن أبي أمامة الباهلي أنَّ النبيّ ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه غير مكفيٍّ، ولا مودَّع، ولا مستغنى عنه ربّنا"٢، فلو كانت تلك الصيغة وهي قوله: "حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده" أكمل وأفضل من هذه لما عدل عنها رسول الله ﷺ، فإنّه لا يختار إلاّ الأفضل والأكمل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معنى هذا الحديث: "المخلوق إذا أنعم عليك بنعمة أمكنك أن تكافئه، ونعمُهُ لا تدوم عليك، بل لا بدّ أن يودِّعك ويقطعها عنك، ويمكنك أن تستغني عنه، والله ﷿ لا يمكن أن تكافئه على نعمه، وإذا أنعم عليك أدام نعمَه، فإنّه هو أغنى وأقنى، ولا يُستغنى عنه طرفة عين". اهـ٣.
وفيه بيانٌ لعظم دلالات الأدعية المأثورة والأذكار الثابتة وعمق معانيها وسلامتها من الخطأ الذي قد يعتري ما سواها، وبهذا تكون السلامةُ وتحصيل الكامل.
فالحمد لله بمحامده التي حمد بها نفسه، وحمده بها الذين اصطفى من خلقه حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحب ربّنا ويرضى.
_________________
(١) ١ عدة الصابرين (ص:١٧٦) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٥٤٥٩) . ٣ صيغ الحمد لابن القيم المطبوع باسم مطالع السعد (ص:٤٩) .
[ ١ / ٢٦٣ ]