لا يزال الحديث ماضيًا عن الكلمات الأربع التي هي خير الكلام وأحبه إلى الله وهي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وسبق الحديث مفصلا بعض الشيء عن التسبيح والتحميد والتهليل وبقي الكلام عن التكبير، فضلِه ومعناه في اللغة والشرع وبعضِ الأمور الأخرى المتعلقة به.
إنَّ التكبير شأنُه عظيم وثوابُه عند الله جزيل وقد تكاثرت النصوص في الحث عليه والترغيب فيه وذكر ثوابه.
يقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ١، وقال تعالى في شأن الصيام: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢، وقال تعالى في شأن الحج وما يكون فيه من نُسك يَتقرَّب فيه العبدُ إلى الله: ﴿لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة: الإسراء، الآية: (١١١) . ٢ سورة: البقرة، الآية: (١٨٥) . ٣ سورة: الحج، الآية: (٣٧) . ٤ سورة: المدثّر، الآيات: (١ - ٣) .
[ ١ / ٢٨٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو بصدد بيان تفضيل التكبير وعظم شأنه: "ولهذا كان شعائرُ الصلاة والأذان والأعياد والأمكان العالية هو التكبير، وهو أحد الكلمات التي هي أفضل الكلام بعد القرآن: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ، ولم يجئ في شيء من الأثر بدل قول الله أكبر، الله أعظم ولهذا كان جمهور الفقهاء على أن الصلاة لا تنعقد إلا بلفظ التكبير، فلو قال الله أعظم لم تنعقد به الصلاة لقول النبي ﷺ " مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم" ١. وهذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف وداود وغيرهم، ولو أتى بغير ذلك من الأذكار مثل سبحان الله والحمد لله لَم تنعقد به الصلاة.
ولأنَّ التكبيرَ مختصٌّ بالذكر في حال الارتفاع كما أن التسبيح مختص بحال الانخفاض كما في السنن عن جابر بن عبد الله قال: "كنا مع رسول الله ﷺ إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك" ٢ "٣. اهـ.
ثم إنَّ التكبيرَ مصاحِبٌ للمسلم في عبادات عديدة وطاعات متنوعة فالمسلم يكبر الله عند ما يكمل عدَّة الصيام، ويكبر في الحج كما سبق الإشارة إلى دليل ذلك من القرآن الكريم، وأما الصلاة فإنَّ
_________________
(١) ١ رواه أبو داود في سننه (برقم:٦١)، وصححه العلاّمة الألباني في الإرواء (٢/٨) . ٢ رواه مسلم في صحيحه (برقم:٢٧٣٤) . ٣ الفتاوى (١٦/١١٢،١١٣) .
[ ١ / ٢٨١ ]
للتكبير فيها شأنًا عظيمًا ومكانة عالية، ففي النداء إليها يشرع التكبير وعند الإقامة لها وتحريمها هو التكبير، بل إنَّ تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، ثم هو يصاحب المسلم في كلِّ خفض ورفع من صلاة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبّر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثمَّ يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلِّها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس" ١.
وبهذا فالتكبير يتكرر مع المسلم في صلاته مرات كثيرة، فالصلاة الرباعية فيها اثنتان وعشرون تكبيرة، والثنائية فيها إحدى عشرة تكبيرة، وكلُّ ركعة فيها خمسُ تكبيرات، وعلى هذا فالمسلم يكبر الله في اليوم والليلة في الصلوات الخمس المكتوبة فقط أربعًا وتسعين تكبيرة، فكيف إذا كان محافظًا مع ذلك على الرواتب والنوافل، وكيف إذا كان محافظًا على الأذكار التي تكون أدبار الصلوات وفيها التكبير ثلاثٌ وثلاثون مرة، فالمسلم إذا كان محافظًا على الصلوات الخمس مع السنن الرواتب وعددُها ثنتا عشرة ركعة مع الشفع والوتر ثلاث ركعات ومحافظًا على التكبير المسنون أدبار الصلوات ثلاثا وثلاثين مرة فإنَّ عدد تكبيره لله في
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٧٨٩)، وصحيح مسلم (رقم:٣٩٢) .
[ ١ / ٢٨٢ ]
يومه وليلته يكون ثلاثمائة واثنتين وأربعين تكبيرة، ولا ريب أنَّ هذا فيه دلالة على فضيلة التكبير حيث جعل الله للصلاة منه هذا النصيب الوافر، فإذا ضُمَّ إلى ذلك التكبيرُ في الأذان للصلاة والإقامة لها ممّن يؤذِن أو يُحافظ على إجابة المؤذِن، زاد بذلك عدد تكبيره في يومه وليلته، فإنَّ عدد ما يكون فيهما من تكبيرات في اليوم والليلة خمسون تكبيرة، فإنَّ عدد التكبير بذلك يزيد.
ثم إنَّ المسلم إذا كان محافظًا على التكبير المطلق غير المقيد بوقت فإن عدد تكبيره لله في أيامه ولياليه لا يحصيه إلا الله سبحانه.
والتكبير ركنٌ من أركان الصلاة، فتحريمها لا يكون إلاّ به، وهذا يُشعِر ولا ريب بمكانة التكبير من الصلاة، وأنّ الصلاة إنما هي تفاصيل للتكبير الذي هو تحريمها، يقول ابن القيّم ﵀: " لا أحسن من كون التكبير تحريمًا لها، فتحريمها تكبير الربّ تعالى الجامع لإثبات كلِّ كمال له، وتنزيهه عن كلِّ نقص وعيبٍ، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله، فالتكبير يتضمّن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيآتها، فالصلاة من أوّلها إلى آخرها تفصيل لمضمون "الله أكبر"، وأيّ تحريم أحسن من هذا التحريم المتضمّن للإخلاص والتوحيد! "١. اهـ.
وبهذا يتبيّن مكانةُ التكبير وجلالةُ قدره وعِظمُ شأنه من الدين، فليس التكبيرُ كلمةً لا معنى لها، أو لفظةً لا مضمون لها، بل هي كلمةٌ، عظيمٌ شأنها، رفيعٌ قدرها تتضمّن المعاني الجليلةَ والمدلولاتِ العميقةَ والمقاصد السامية الرفيعة.
_________________
(١) ١ الصلاة لابن القيم (ص:١٠٦) .
[ ١ / ٢٨٣ ]
قال ابن جرير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ١: "يقول وعظِّم ربَّك يا محمد بما أمرك أن تعظِّمه به من قول وفعل، وأطِعه فيما أمرك ونهاك"٢.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسير الآية نفسها: "أي عظِّمه تعظيمًا شديدًا، ويظهر تعظيم الله في شدّة المحافظة على امتثال أمره واجتناب نهيه والمسارعة إلى كلِّ ما يرضيه"٣.
وفي هذا إشارةٌ إلى أنّ الدِّينَ كلَّه يُعدُّ تفصيلًا لكلمة "الله أكبر" فالمسلم يقوم بالطاعات جميعها والعبادات كلّها تكبيرًا لله وتعظيمًا لشأنه وقيامًا بحقِّه سبحانه، وهذا ممّا يبيّن عظمةَ هذه الكلمة وجلالةَ قدرها، ولهذا يروى عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه قال: "قول العبد: الله أكبر، خيرٌ من الدنيا وما فيها"٤، فالله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.
_________________
(١) ١ سورة: الإسراء، الآية: (١١١) . ٢ جامع البيان (٩/١٧٩) . ٣ أضواء البيان (٣/٦٣٥) . ٤ أورده القرطبي في تفسيره (١٠/٢٢٣) .
[ ١ / ٢٨٤ ]