كان الحديث الماضي عن التكبير فضله وبيان مكانته من الدين، وسيكون الحديث عن معنى التكبير والمراد به؛ إذ إنَّ فقه الأذكار الشرعية وفهم المراد بها يُعدّ أساسًا عظيمًا ومطلبًا جليلًا لا بدّ منه.
والتكبير هو تعظيم الربّ ﵎ وإجلاله، واعتقاد أنّه لا شيء أكبرُ ولا أعظمُ منه، فيصغر دون جلاله كلُّ كبير، فهو الذي خضعت له الرقاب وذلَّت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كلَّ شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوّه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره المخلوقات.
قال الإمام الأزهري في كتابه تهذيب اللغة: "وقول المصلي: الله أكبر، وكذلك قول المؤذِّن، فيه قولان:
أحدهما: أنّ معناه الله كبير، كقول الله جلّ وعزّ: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ ١، أي هو هيّنٌ عليه، ومثله قول مَعنِ بن أوس: لعمرك ما أدري وإني لأوجلُ.
معناه: وإني لوجلٌ.
والقول الآخر: أنّ فيه ضميرًا، المعنى: الله أكبرُ كبيرٍ، وكذلك الله الأعزّ، أي: أعزُّ عزيزٍ، قال الفرزدق:
_________________
(١) ١ سورة: الروم، الآية: (٢٧) .
[ ١ / ٢٨٥ ]
إنّ الذي سَمَكَ السماءَ بنى لنا بيتًا دعائمُه أَعَزُّ وأطولُ
معناه: أعز عزيز، وأطول طويل"١. اهـ.
والصواب من هذين القولين اللذين ذكرهما ﵀ هو الثاني، بمعنى أن يكون اللهُ عند العبد أكبرَ من كلِّ شيء، أي لا أكبرَ ولا أعظمَ منه، أما الأول فهو غيرُ صحيحٍ وليس هو معنى الله أكبر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "التكبير يُراد به أن يكون (الله) عند العبد أكبر من كلِّ شيء، كما قال ﷺ لعديِّ بن حاتم: "يا عديّ ما يُفرُّك؟ أيُفرُّك أن يُقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم مِن إله إلاّ الله؟ يا عديّ ما يفرُّك. أيُفرُّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟ "، وهذا يُبطل قولَ من جعل أكبر بمعنى كبير"٢. اهـ.
وحديث عديٍّ هذا رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان وغيرهم بإسناد جيّد٣.
وبه يتبيّن أن معنى الله أكبر أي من كلِّ شيء، فلا شيء أكبرُ ولا أعظمُ منه، ولهذا يُقال إنَّ أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال هي: الله أكبر، أي صِفْهُ بأنّه أكبرُ من كلِّ شيء، قال الشاعر:
رأيتُ الله أكبر كلِّ شيء محاولةً وأكثرهم جنودًا٤
_________________
(١) ١تهذيب اللغة (١٠/٢١٤) . ٢ الفتاوى (٥/٢٣٩) . ٣ المسند (٤/٣٧٨)، وسنن الترمذي (٢٩٣٥م)، وصحيح ابن حبان (الإحسان) (رقم:٧٢٠٦) . ٤ انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/٢٢٣) .
[ ١ / ٢٨٦ ]
والتكبير معناه كما تقدّم التعظيم، لكن ينبغي أن يُعلم أنّ التعظيم ليس مرادفًا في المعنى للتكبير، فالكبرياء أكمل من العظمة؛ لأنّه يتضمّنها ويزيد عليها في المعنى، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وفي قوله "الله أكبر" إثبات عظمته، فإنّ الكبرياء تتضمّن العظمة، ولكن الكبرياء أكمل، ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول: "الله أكبر" فإنّ ذلك أكمل من قول الله أعظم، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنّه قال: "يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما عذّبته"١، فجعل العظمة كالإزار والكبرياء كالرداء، ومعلوم أنّ الرداء أشرف، فلمّا كان التكبيرُ أبلغَ من التعظيم صرّح بلفظه، وتضمّن ذلك التعظيم"٢. اهـ.
وها هنا أمرٌ ينبغي التنبّه له وعدم إغفاله، وهو أن المسلم إذا اعتقد وآمن بأنّ الله ﷾ أكبر من كلِّ شيء، وأنّ كلَّ شيء مهما كبر يصغر عند كبرياء الله وعظمته، علمَ من خلال ذلك علم اليقين أن كبرياءَ الربِّ وعظمتَه وجلالَه وجمالَه وسائرَ أوصافه ونعوته أمرٌ لا يمكن أن تحيط به العقول أو تتصوّره الأفهام أو تدركه الأبصار والأفكار، فالله أعظم وأعظم من ذلك، بل إنّ العقولَ والأفهامَ عاجزةٌ عن أن تدركَ كثيرًا من مخلوقات الرب ﵎، فكيف بالرب سبحانه.
ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنّه قال: "بين السماء الدنيا
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٦٢٠) . ٢ الفتاوى (١٠/٢٥٣) .
[ ١ / ٢٨٧ ]
والتي تليها خمسمائة عام، وبين كلِّ سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسيِّ خمسمائة عام، وبين الكرسيِّ والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم"١.
وروي عن زيد بن أسلم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " ما السموات السبع في الكرسي إلاّ كدراهم سبعة أُلقيت في ترس"٢.
وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما الكرسي في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض"٣.
وليتأمّل المسلم في عظم السماء بالنسبة إلى الأرض، وعظم الكرسيِّ بالنسبة إلى السماء، وعِظم العرش بالنسبة إلى الكرسيِّ، فإنّ
_________________
(١) ١ رواه الدارمي في الرد على الجهمية (ص:٢٦،٢٧)، والطبراني في الكبير (٩/٢٢٨)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/٦٨٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/٢٩٠)، وغيرهم. قال الهيثمي في المجمع (١/٨٦): "رجاله رجال الصحيح"، وصححه الذهبي في العلو (ص:١٠٣ - مختصره)، وابن القيم في اجتماع الجيوش (ص:١٠٠) . ٢ رواه ابن جرير في تفسيره (٣/١٠)، وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف، وزيد تابعي، فهو مرسل. ٣ رواه أبو نعيم في الحلية (١/١٦٦)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/٦٤٨ - ٦٤٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/٣٠٠ - ٣٠١)، وغيرهما، وقد صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم:١٠٩) بمجموع طرقه.
[ ١ / ٢٨٨ ]
العقولَ عاجزةٌ عن أن تدرك كمال هذه الأشياء أو أن تحيط بكُنْهِها وكيفيتها وهي مخلوقة، فكيف بالأمر إذًا في الخالق سبحانه، فهو أكبر وأجلُّ من أن تعرف العقولُ كُنْهَ صفاته أو تدرك الأفهامُ كبرياءَه وعظمتَه، ولهذا جاءت السنةُ بالنهي عن التفكّر في الله؛ لأنّ الأفكار والعقول لا تدرك كنه صفاته، فالله أكبر من ذلك، قال ﷺ: "تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله ﷿ "١.
والتفكّرُ المأمور به هنا كما يبيّن ابن القيّم ﵀ هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة٢، وهذا يتضح بالمثال، فالمسلم إذا أحضر في قلبه كبر هذه المخلوقات من سموات وأرض وكرسي وعرش ونحو ذلك، ثم أحضر في قلبه عجزه عن إدراك هذه الأشياء والإحاطة بها حصل له بذلك معرفة ثالثة وهي عظمة وكبرياء خالق هذه الأشياء وعجز العقول عن أن تدرك صفاته أو تحيط بنعوته سبحانه، يقول سبحانه: ﴿وقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ٣، فالله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.
_________________
(١) ١ رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٣/٥٢٥)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/٢١٠) من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وإسناده ضعيف جدًّا، لكن له شاهد من حديث أبي هريرة، وعبد الله بن سلاَم، وأبي ذر، وابن عباس. وقد حسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم:١٧٨٨) بمجموع طرقه. ٢ مفتاح دار السعادة (ص:١٨١) . ٣ سورة: الإسراء، الآية: (١١١) .
[ ١ / ٢٨٩ ]