إنَّ من فضائل الدعاء ودلائل عِظم شأنه أنَّ الله ﵎ يُحبُّه من عباده مع كمالِ غِناه عنهم، ووعدَ الدَّاعين له من عباده بالإجابة، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١. وهذا من لُطف الله بعباده وعظيم إكرامه لهم وإحسانه بهم، فهو سبحانه لا يُخيِّب عبدًا دعاه، ولا يرُدُّ مؤمنًا ناجاه، يقول الله تعالى كما في الحديث القدسي: " يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلاَّ مَن هديتُه، فاستهدوني أهدِكم، يا عبادي كلُّكم جائعٌ إلاَّ مَن أطعمته، فاستطعِموني أطعمكم، يا عبادي كلُّكم عارٍ إلاَّ من كسوتُه، فاستكسوني أكسُكم، يا عبادي إنَّكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم "، وقال فيه: " يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم قاموا على صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كلَّ واحد مسألتَه ما نقصَ ذلك مِمَّا عندي إلاَّ كما ينقص المِخيَطُ إذا أُدخل البحر "، رواه مسلم في سياق طويل من حديث أبي ذر رضي الله عنه٢.
وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ اللهَ يحبُّ أن يسأله العبادُ جميعَ مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآية: (٦٠) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٢٥٧٧) .
[ ٢ / ٢١ ]
الهدايةَ والمغفرةَ والتوفيقَ والإعانةَ على الطاعةِ ونحوَ ذلك، ووعدَهم سبحانه على ذلك كلِّه بالإجابة.
وفيه أيضًا دلالةٌ على كمال قدرةِ الله سبحانه وكمال ملكِه، وأنَّ ملكَه وخزائنَه لا تنفدُ ولا تنقصُ بالعطاء، ولو أعطى الأوَّلين والآخرين من الجنِّ والإنس جميعَ ما سألوه في مقام واحد، وفي ذلك حثٌّ على الإكثار من سؤاله وإنزال جميع الحوائجِ به، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " يدُ الله ملأى لا تغيضُها نفقة، سَحَّاءُ الليل والنهار، أفرأيتم ما أنفق ربُّكم منذ خلق السموات والأرض، فإنَّه لَم يَغِضْ ما في يمينه "١، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إذا دعا أحدُكم فلا يقُلْ اللَّهمَّ اغفر لي إن شئتَ، ولكن ليعزم المسألةَ وليُعظم الرغبةَ، فإنَّ الله لا يتعاظمه شيءٌ "٢.
وقال أبو سعيد الخدري ﵁: " إذا دعوتم اللهَ فارفعوا في المسألة، فإنَّ ما عنده لا ينفد منه شيء، وإذا دعوتم فاعزموا فإنَّ الله لا مستكره له "٣.
وتأمَّل قوله سبحانه في الحديث المتقدِّم: " لَم ينقص ذلك ممَّا عندي إلاَّ كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر "، فإنَّ فيه تحقيقًا بأنَّ ما عند الله
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٤٦٨٤)، وصحيح مسلم (رقم:٩٩٣) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٢٦٧٩) . ٣ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/٢١، ٤٧) مقطعًا.
[ ٢ / ٢٢ ]
لا ينقص ألبتة، كما قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ﴾ ١، فإنَّ البحرَ إذا غُمس فيه إبرة ثمَّ أُخرجت لَم تُنقص من البحر بذلك شيئًا، وكذلك لو فُرض أنَّ عصفورًا شرب منه فإنَّه لا يُنقص البحر ألبتة، وهو سبحانه إذا أراد شيئًا من عطاءٍ أو عذاب أو غيرِ ذلك قال له: كن فيكون، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ٢، وقال سبحانه: ﴿إَنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ٣، فكيف يُتصوَّر فيمن هذا شأنُه أن ينقص ما عنده أو ينفد، ولقد أحسن مَن قال:
لا تخضعنَّ لمخلوق على طمع فإنَّ ذاك مُضرٌّ منك بالدِّين
واسترزق الله مِمَّا في خزائنه فإنَّما هي بين الكاف والنون٤
إنَّ العبدَ محتاجٌ إلى الله في كلِّ شؤونِه، ومفتقرٌ إليه في جميعِ حاجاتِه، لا يستغني عن ربِّه ومولاه طرفة عين ولا أقلَّ من ذلك، وأما الربُّ سبحانه فإنَّه غنيٌّ حميدٌ، لا حاجة له بطاعات العباد ودعواتهم، ولا يعود نفعُها إليه، وإنَّما هم الذين ينتفعون بها، ولا يتضرَّرُ بمعاصيهم وإنَّما هم الذين يتضرَّرون بها، ولهذا قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبُكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية: (٩٦) . ٢ سورة يس، الآية: (٨٢) . ٣ سورة النحل، الآية: (٤٠) . ٤ انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص:٢١٤ - ٢١٨) .
[ ٢ / ٢٣ ]
ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ٣، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ثمَّ إنَّ الله ﵎ مع كمال غِناه عن عباده، وعن طاعاتهم ودعواتهم، وتوباتهم، فإنَّه يُحبُّ سماعَ دعاءِ الدَّاعينَ المخبتين، ورؤيةَ عبادةِ العابدين المطيعين، ويفرحُ بتوبة التائبين المُنيبين، بل إنَّه سبحانه يفرح بتوبة عبده أشدَّ من فرح مَن ضلَّت راحلتُه التي عليها طعامه وشرابه بفلاة من الأرض، وطلبها حتى أَيِسَ منها، واستسلم للموت، ثمَّ غلبته عينُه فنام واستيقظ، وهي قائمةٌ عنده، وهذا أعلى ما يتصوَّرُه المخلوقُ من الفَرَحِ، فالله سبحانه يَفرحُ بتوبة عبادِه أَشَدَّ مِن فرحِ هذا بِلُقياه لراحلته، هذا مع غِناه سبحانه الكامل عن طاعات عباده وتوباتهم إليه، وذلك كلُّه إنَّما يعود نفعُه إليهم دونَه، وهذا من كمال جُودِه وإحسانِه إلى عباده ومحبَّته لنفعهم ودفع الضر عنهم، فهو يُحبُّ من عباده أن يعرفوه ويُحبُّوه ويتَّقوه ويخافوه ويُطيعوه ويتقرَّبوا إليه، ويُحبُّ أن يعلموا أنَّه يغفر الخطيئات ويجيب الدعوات ويُقيلَ العَثَرات ويُكفِّر السيِّئات ويرزق من يشاء بغير حساب.
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآيات: (١٥ - ١٧) . ٢ سورة الإسراء، الآية: (١٥) . ٣ سورة إبراهيم، الآيتان: (٧، ٨) .
[ ٢ / ٢٤ ]
فحريٌّ بعبد الله المؤمن إذا عرف كمالَ ربِّه وجلالَه، وكرمه وإحسانه، وفضلَه وجُودَه أن ينزل به جميع حاجاته، وأن يُكثر من دعائه ومناجاته، وأن لا يَقْنَط مِن رحمة ربِّه ولا ييأس من رَوْحِه فإنَّه لا يَيْأَسُ مِن رَوْحِ الله إلاَّ القومُ الكافرون.
فاللَّهمَّ وفِّقنا لِهُداك، وأعِنَّا على طاعتك، ولا تَكِلْنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.
[ ٢ / ٢٥ ]