لقد مرَّ معنا قولُ النبي ﷺ: " الدعاء هو العبادة، ثمَّ قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١ "٢، ولا ريبَ أنَّ في هذا الحديث أبلغَ دلالة على عِظم شأن الدعاء، وأنَّه نوعٌ من أنواع العبادة، ولا يخفى على كلِّ مسلم أنَّ العبادةَ حقٌّ خالصٌ لله وحده، فكما أنَّ الله ﵎ لا شريك له في الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتصرُّف والتدبير، فكذلك لا شريك له في العبادة بجميع أنواعها ومنها الدعاء، فمَن دعا غير الله ﷿ طالبًا منه أمرًا من الأمور التي لا يقدرُ عليها إلاَّ الله فقد عَبَدَ غيرَ الله وأَشركَ معه غيرَه، والله ﵎ لَم يَبعث رُسلَه ولم يُنزل كتبَه إلاَّ لدعوةِ الناس إلى الإخلاص في العبادة والتحذير من صرفِها لغير الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿أَلاَ للهِ الدِّينُ
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآية: (٦٠) . ٢ المسند (٤/٢٦٧)، وسنن الترمذي (رقم:٣٢٤٧)، والأدب المفرد (رقم:٧١٤)، وصححه العلامة الألباني ﵀ في صحيح الأدب المفرد (رقم:١٧٥٧) . ٣ سورة التوبة، الآية: (٣١) . ٤ سورة البينة، الآية: (٥) . ٥ سورة الذاريات، الآية: (٥٦) .
[ ٢ / ٣٩ ]
الخَالِصُ﴾ ١، والآياتُ في هذا المعنى كثيرةٌ.
ولهذا فقد تواترت الأدلةُ وتضافرت النصوص في الكتاب والسنة على التحذير من صرفِ الدعاء لغير الله والنهي عن ذلك وذمِّ فاعله بأشدِّ أنواع الذمِّ، حتى صار ذلك من ضروريات هذا الدِّين التي لا يرتابُ فيها كلُّ مَن فهم كتاب الله وسنَّةَ رسوله ﷺ، وقد تنوَّعت دلالاتُ نصوص القرآن الكريم المشتملةِ على ذلك وتكرَّرت في مواطن كثيرة، وذلك لشدَّةِ خطورةِ دعاء غير الله، ولكونه أكثر أنواع الشرك وقوعًا، حتى قال بعضُ أهل العلم: " لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والرِّدة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله بالنهي عنه والتحذير من فعلِه والوعيد عليه "٢.
فمِن هذه النصوص قول الله ﵎: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿هُوَ الحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية: (٣) . ٢ النبذة الشريفة النفيسة في الردِّ على القبوريِّين، للشيخ حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر (ص:٣٧) . ٣ سورة الأعراف، الآية: (٥٥ - ٥٦) . ٤ سورة الإسراء، الآية: (١١٠) . ٥ سورة غافر، الآية: (٦٥) .
[ ٢ / ٤٠ ]
قال الشوكاني ﵀ في رسالةٍ له في وجوب توحيد الله ﷿ بعد أن أورد طرفًا من هذه النصوص: " فهذه الآياتُ البيِّنات دلَّت على أنَّ الدعاءَ مطلوبٌ لله ﷿ من عباده، وهذا القدر يكفي في إثبات كونه عبادة، فكيف إذا انضمَّ إلى ذلك النهيُ عن دعاء غير الله سبحانه، قال الله ﷿: ﴿فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ﴾ ٢، وقال سبحانه ناعيًا على مَن يدعو غيرَه ضاربًا له الأمثال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُل ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ ٤.
فكيف إذا صرَّح القرآنُ الكريمُ بأنَّ الدعاءَ عبادةٌ تصريحًا لا يبقى عنده ريبٌ لمرتابٍ، قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٥، فقد طلبَ اللهُ سبحانه من عباده في هذه الآيةِ أن يدعوه، وجعلَ جزاءَ الدعاء له منهم الإجابةَ منه فقال: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ولهذا جزمه لكونه جوابًا للأمر، ثمَّ توعَّدهم على الاستكبار عن هذه العبادة
_________________
(١) ١ سورة الجنّ، الآية: (١٨) . ٢ سورة الرعد، الآية: (١٤) . ٣ سورة الأعراف، الآية: (١٩٤) . ٤ سورة سبأ، الآية: (٢٢) . ٥ سورة غافر، الآية: (٦٠) .
[ ٢ / ٤١ ]
ـ أعني الدعاءَ - بما صرَّح به في آخر الآية وجعل العبادةَ مكان الدعاء تفسيرًا له وإيضاحًا لمعناه، وبيانًا لعباده بأنَّ هذا الأمرَ الذي طلبه منهم وأرشدهم إليه هو نوعٌ من عبادته التي خصَّ بها نفسَه وخلق لها عباده كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١، ومع هذا كلِّه فقد جاءت السنة المطهرةُ بما يدلُّ أبلغ دلالة على أنَّ الدعاءَ من أكمل أنواع العبادة "٢، ثمَّ ذكر ﵀ ما يدل على ذلك من السنة.
إنَّ الواجبَ على كلِّ مسلمٍ أن يدركَ خطورةَ الأمر، وأن يعلمَ أنَّ هذا حقٌّ خالصٌ لله ﷿ لا يجوز أن يُشرَك معه فيه غيرُه، وكيف يُشرَك المخلوقُ الضعيفُ العاجزُ بالملِكِ العظيم الذي بيده أزمَّةُ الأمور، المتفرِّدُ بإجابةِ الدعاءِ وكشف الكروب، الذي له الأمرُ كلُّه، وبيده الخيرُ كلُّه، وإليه يرجعُ الأمرُ كلُّه، لا مُعقِّب لحكمه، ولا رادَّ لقضائه، الذي ما تعلَّق به ضعيفٌ إلاَّ أفاده القوَّةَ، ولا ذليلٌ إلاَّ أناله العزَّةَ، ولا فقيرٌ إلاَّ أعطاه الغنى، ولا مستوحشٌ إلا آنسَه، ولا مغلوبٌ إلاَّ أيَّده ونصره، ولا مضطرٌ إلاَّ كشف ضُرَّه، ولا شريدٌ إلاَّ آواه، فهو سبحانه الذي يجيب المضطرِّين، ويغيثُ الملهوفين، ويُعطي السائلين، لا مانعَ لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، لا إله إلاَّ هو الملكُ الحقُّ المبين.
_________________
(١) ١ سورة الذاريات، الآية: (٥٦) . ٢ رسالة في وجوب توحيد الله ﷿، للشوكاني (ص:٥٦ - ٥٨) .
[ ٢ / ٤٢ ]
وقد أجمع أهلُ العلم على أنَّ مَن صرف شيئًا من الدعاء لغير الله فهو مشركٌ بالله العظيم، ولو قال لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله، ولو صلَّى وصام؛ إذ شرطُ الإسلام أن لا يُعبدَ إلاَّ الله، فليحذر مَن يريد لنفسه الفوزَ والسعادةَ مِن هذا الإثم المبين والخطرِ العظيم.
نسأل الله الكريم أن يُجنِّبنا والمسلمين ذلك، وأن يقينا من الزلل في القول والعمل، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.
[ ٢ / ٤٣ ]