لا يزال حديثنا موصولًا في بيان فضل الأذكار النبويةِ والأدعيةِ المأثورةِ التي كان يدعو بها النبي ﷺ ويعلِّمُها أصحابَه؛ لكمالها في مبانيها ومعانيها، ولاشتمالِها على جوامع الخير وفواتحِه وخواتِمِه، كما قالت أمُّ المؤمنين عائشةُ ﵂: " كان النبي ﷺ يُعجبُه الجوامعُ من الدعاءِ، ويدع ما بين ذلك "، رواه أبو داود في سننه، والإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه١.
وروى الفريابي وغيرُه من حديث عائشة أيضًا أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: " يا عائشة، عليكِ بجوامع الدعاء: اللَّهمَّ إنِّي أسألكَ من الخيرِ كلِّه عاجلِه وآجلِه، ما علمتُ منه وما لَم أعلم، وأعوذُ بكَ من الشرِّ كلِّه عاجلِه وآجلِه، ما علمتُ منه وما لَم أعلم، اللَّهمَّ إنِّي أسألكَ مِن خيرِ ما سألكَ منه محمدٌ عبدُك ونبيُّك، وأعوذ بك من شرِّ ما عاذ منه عبدُك ونبيُّك، اللَّهمَّ إنِّي أسألكَ الجنَّةَ وما قرَّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النارِ وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، وأسألكَ ما قضيتَ لي من قضاءٍ أن تجعلَ عاقبتَه رشدًا " ٢.
وخرَّجه الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه،
١ سنن أبي داود (رقم:١٤٨٢)، والمسند (٦/١٤٨، ١٨٩)، وصحيح ابن حبان (رقم:٨٦٧)، وهو في صحيح أبي داود (رقم:١٣١٥) .
_________________
(١) ٢ ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/٥٣٣) .
[ ٢ / ٥٨ ]
والحاكم، وليس عندهم ذكر جوامع الدعاء، وعند أحمد والحاكم: " عليكِ بالكوامل "، وذكرَه١.
وخرَّجه أبو بكر الأثرم وعنده أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: " ما منعكِ أن تأخذي بجوامع الكَلِم وفواتِحَه "، وذكر هذا الدعاء٢.
وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " إنَّ رسول الله ﷺ عُلِّم فواتحَ الخير وجوامعَه، أو جوامعَ الخير وفواتحَه وخواتمه "٣.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فإنَّه ﷺ أُعطي جوامع الكلم، وخُصَّ ببدائع الحكَم، كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " بُعثتُ بجوامع الكَلِم "٤، قال الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀: " جوامع الكلم فيما بلغنا أنَّ الله يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك "٥ اهـ.
وحاصلُه أنَّه ﷺ كان يتكلَّم بالكلام الموجَزِ القليلِ اللفظ، الكثير المعاني، وهكذا الشأن في أذكاره وأدعيته صلوات الله وسلامه عليه،
_________________
(١) ١ المسند (٦/١٣٤، ١٤٦)، وسنن ابن ماجه (رقم:٣٨٤٦)، وصحيح ابن حبان (رقم:٨٦٩)، والمستدرك (١/٥٢١، ٥٢٢) . ٢ ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/٥٣٤) . ٣ المسند (١/٤٠٨، ٤٣٧) . ٤ صحيح البخاري (رقم:٧٠١٣)، وصحيح مسلم (رقم:٥٢٣) . ٥ ذكره البخاري في صحيحه بإثر حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٥٩ ]
كان يُعجبه من ذلك جوامع الذِّكر والدعاء ويدع ما بين ذلك.
وإذًا فالواجبُ على كلِّ مسلمٍ أن يعرف عِظَمَ قدر الأدعيةِ النبوية ورفيع مكانتها وأنَّها مشتملةٌ على مجامع الخير وأبواب السعادةِ ومفاتيح الفلاح في الدنيا والآخرة، فخيرُ السؤال أن يسألَ المسلمُ ربَّه مِن خير ما سأله منه عبدُه ورسولُه ﷺ، وأفضلُ الاستعاذة أن يستعيذ بالله من شرِّ ما استعاذ منه عبدُ الله ورسولُه ﷺ، فإنَّ في ذلك فواتحَ الخير وخواتِمَه وجوامعَه، وأوَّلَه وآخرَه، وظاهره وباطنَه، ومن يتأمَّل جميعَ الأدعيةِ الواردةِ في القرآن والسنةِ يجدها كذلك، فإنَّ الله ﵎ قد اختار لنبيِّه محمد ﷺ جوامعَ الأدعيةِ وفواتح الخير وتمام الأمرِ وكماله في الدنيا والآخرة، فكيف يدَعُ المسلمُ هذا الخيرَ العميمَ والفضلَ العظيم الذي اشتملت عليه أدعيةُ النبي الكريم ﷺ، ويُقبِلُ على أدعيةٍ أخرى لغيره ممَّن لا تُؤمَنُ غائلتُهم من شيوخ الضلال وأئمَّة الباطل، المتكلِّفين في الدِّين ما ليس منه، ولهذا يقول الخطابي ﵀: " أولى ما يُدعى به ويُستعمل منه ما صحَّت به الروايةُ عن رسول الله ﷺ وثبت عنه بالأسانيد الصحيحة، فإنَّ الغلطَ يعرض كثيرًا في الأدعية التي يختارها الناس لاختلاف معارفهم وتباينِ مذاهبهم في الاعتقاد والانتحال، وبابُ الدعاء مطيَّةٌ مظنَّةٌ للخطر، وما تحت قدم الداعي دحضٌ، فليحذر فيه الزلل، وليسلك منه الجَدَد، الذي يؤمن معه العِثار، وما التوفيق إلاَّ بالله ﷿ "١. اهـ.
_________________
(١) ١ شأن الدعاء للخطابي (ص:٢ - ٣) .
[ ٢ / ٦٠ ]
ومَن يتأمَّل الأدعيةَ المأثورة التي جاءت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ يجدُ فيها الجمالَ والكمالَ والوفاءَ بتحقيق المطالبِ العاليةِ، والمقاصدِ الرفيعةِ، والخيرِ الكاملِ في الدنيا والآخرة، مع السلامة فيها والأمان من الوقوع في الخطأ والزلل، فهي معصومة من ذلك؛ لأنَّها وحيُ الله وتنزيله.
ولذا نجد أئمةَ العلم الأمناءَ الناصحين يُرغِّبون الناسَ في المحافظةِ على الأدعيةِ المأثورة والأذكار المشروعة، ويعتنون تمام الاعتناءِ بربط الناس بكتاب ربِّهم وسنَّةِ نبيِّهم ﷺ؛ لأنَّ في ذلك السلامةَ والعصمةَ والفوزَ بأكبر الغنيمة، ومن ذلك قول الإمام الجليل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة، فإنَّ ذلك لا ريب في فضله وحُسنِه، وأنَّه الصراطُ المستقيم، صراطُ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقا "١.
فتأمَّل كلامَ هذا الإمام الناصح وغيرِه من أهل العلم أهل السنة والجماعة كيف أنَّهم كرَّسوا جهودَهم وبذلوا أوقاتَهم وأنفاسَهم في سبيلِ تفقيهِ الناسِ بالسنَّةِ وربطِهِم بِها ودعوتِهم إلى تحقيقها وحسنِ القيام بها؛ إذ هي صراطُ الله المستقيم وحبلُه المتين.
تأمَّل قولَه ﵀: " ينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة " تجد فيه تمامَ النصيحةِ للخَلْق وصِدقَ القيام
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (١/٣٤٦) .
[ ٢ / ٦١ ]
بالحقِّ، بخلاف أئمةِ الضلال ودعاةِ الباطل، فإنَّهم يدعون الناسَ إلى أنفسهم ويربطونهم بأشخاصهم، فتراهم يُنشئون للناس أورادًا وأدعيةً من قِبَل أنفسهم، ويعظمون من شأنِها، ويُعلونَ من قدرها رغبةً في تكثير الأتباع واستقطاب المريدين، كما قال الصحابيُّ الجليلُ معاذ بن جبل ﵁: " إنَّ مِن ورائِكم فتنًا يكثر فيها المالُ، ويُفتحُ فيها القرآن حتى يأخذَه المؤمنُ والمنافقُ والرَّجلُ والمرأةُ والصغيرُ والكبيرُ والعبدُ والحرُّ، فيوشكُ قائلٌ أن يقول: ما للناسِ لا يتَّبعوني وقد قرأتُ القرآنَ؟ ما هم بمتَّبعيَّ حتى أبتدعَ لهم غيرَه، فإيَّاكم وما ابتدع، فإنَّ ما ابتدعَ ضلالةٌ "، رواه الإمام أبو داود في سننه والآجريُّ في الشريعة، وسنده صحيح١.
فليكن المسلمُ على تَمام الحذر من مثل هؤلاء، وليحرص تَمام الحرص على لزوم السُّنَّة، ففيها السلامة والرِّفعة، والتوفيق بيد الله وحده.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:٤٦١١)، والشريعة (رقم:٩٠، ٩١) .
[ ٢ / ٦٢ ]