إنَّ من الضوابطِ المهمَّةِ للدعاء أن يحذر المسلمُ أشدَّ الحَذر من الاعتداء فيه، والاعتداءُ هو تجاوز ما ينبغي أن يُقتصرَ عليه، يقول الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ١، فأرشد ﵎ في هذه الآيةِ الكريمةِ عبادَه إلى دعائه الذي هو صلاحُ دينهم ودنياهم وآخرتهم، ثمَّ نهاهم سبحانه في هذا السياق عن الاعتداء بإخباره أنَّه لا يحبُّ المعتدين، فدلَّ ذلك على أنَّ الاعتداء مكروهٌ له مسخوطٌ عنده، لا يُحبُّ فاعلَه، ومن لا يحبُّه الله فأيُّ خيرٍ ينال، وأي فضلٍ يُؤمِل.
ثمَّ إنَّ النهيَ عن الاعتداء في الآية وإن كان عامًا يشملُ كلَّ نوع من الاعتداء، إلاَّ أنَّه لمجيئِه عقِب الأمر بالدعاء يدلُّ دلالةً خاصة على المنع من الاعتداءِ في الدعاء والتحذير منه، وبيانِ أنَّ الدعاءَ المشتملَ على الاعتداء لا يحبُّه الله من عباده ولا يرضاه لهم؛ ولهذا روي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ قال: " في الدعاء ولا في غيره "٢.
وعن قتادة في معنى الآية قال: " اعلموا أنَّ في بعض الدعاء اعتداء فاجتنبوا العدوان والاعتداء إن استطعتم ولا قوة إلاَّ بالله ".
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: (٥٥) . ٢ تفسير الطبري (٥/٢٠٧) .
[ ٢ / ٦٨ ]
وعن الربيع في معنى الآية قال: " إيَّاك أن تسأل ربَّك أمرًا قد نُهيتَ عنه أو ما ينبغي لك ".
وعن ابن جريج في معنى الآية قال: " إنَّ من الدعاء اعتداءً، يُكره رفع الصوت والنداءُ والصياحُ بالدعاء، ويؤمرُ بالتضرُّع والاستكانة "١.
وقد جاء عن النبي ﷺ ما يدلُّ على أنَّ من الأمَّة مَن سيقع في الاعتداء في الدعاء، وهو ﷺ عندما أخبر بذلك أخبر به محذِّرًا منه ناهيًا عنه مبينًا لخطره، وهذا من تَمام وكمال نصحه لأمَّته صلوات الله وسلامه عليه، وهو أيضًا من علامات نُبوَّته ﷺ.
روى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرُهم عن عبد الله بن مغفل: أنَّه سمع ابنه يقول: " اللَّهمَّ إنِّي أسألك القصرَ الأبيض عن يمين الجنَّة إذا دخلتها، فقال: أي بُنيَّ سلِ الله الجنَّة وتعوَّذ بالله من النار، فإنِّي سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: سيكون في هذه الأمة قومٌ يعتدون في الدعاء والطُهور "٢.
وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص أنَّه سمع ابنًا له يدعو يقول: " اللَّهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة ونعيمَها وإستبرقها ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألتَ اللهَ خيرًا كثيرًا، وتعوَّذتَ بالله من شرٍّ كثير، وإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ تفسير الطبري (٥/٢٠٧) . ٢ المسند (٤/٨٦، ٨٧)، (٥/٥٥)، وسنن أبي داود (رقم:٩٦)، وسنن ابن ماجه (رقم:٣٨٦٤)، وصححه العلاَّمة الألباني ﵀ في صحيح سنن أبي داود (رقم:٨٧) .
[ ٢ / ٦٩ ]
يقول: إنَّه سيكون قومٌ يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾، وإنَّ بحسبِك أن تقول: اللَّهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول أو عمل "١.
فأخبر صلوات الله وسلامه عليه أنَّه سيكون قومٌ من أمته يعتدون في الدعاء ناهيًا عن ذلك، وليكون المسلمون في حَيطةٍ وحَذرٍ من الوقوع في شيء منه، ولا سبيل إلى السلامةِ من ذلك إلاَّ بلزوم السنة واقتفاء آثار الرسول ﷺ كما قال ﵊: " فإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين مِن بعدي تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ "٢.
إنَّ الاعتداءَ في الدعاء بابٌ واسعٌ، ومَهْيَعٌ فجٌّ؛ إذ هو كما تقدَّم تعريفُه: تجاوز ما ينبغي أن يُقتصرَ عليه، وعلى هذا فكلُّ مخالفةٍ للسنة ومفارقة للهدي النبوي الكريم في الدعاء يُعدُّ اعتداء، ومن المعلوم أنَّ المخالفات متنوِّعةٌ وكثيرةٌ لا يجمعها نوعٌ واحد، ثمَّ هي أيضًا متفاوتةٌ في خطورتها، فمِن الاعتداءِ ما قد يبلغ حدَّ الكفر، ومنه ما هو دون ذلك، فمَن اعتدى في دعائه بأن دعا غيرَ الله أو سأله أو طلب منه
_________________
(١) ١ المسند (١/١٧٢)، وسنن أبي داود (رقم:١٤٨٠)، وصححه العلاَّمة الألباني ﵀ في صحيح سنن أبي داود (رقم:١٣١٣) . ٢ المسند (٤/١٢٧)، وسنن أبي داود (رقم:٤٦٠٧)، وسنن الترمذي (رقم:٢٦٧٦)، وصححه العلاَّمة الألباني ﵀ في صحيح سنن الترمذي (رقم:٢١٥٧) .
[ ٢ / ٧٠ ]
كشف ضرِّه أو جلب نفعه أو شفاءَ مرضه أو نحو ذلك، فقد وقع في أعظمِ أنواع الاعتداء في الدعاء وأشدِّها خطرًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ١، وحاصلُ كلام المفسرين في معنى هذه الآية أنَّ الله تعالى حكم بأنَّه لا أضلُّ مِمَّن يدعو من دون الله مَن لا يستجيب له إلى يوم القيامة، ومعنى الاستفهام في الآية إنكارُ أن يكون في الضُلاَّل كلِّهم أبلغُ ضلالًا مِمَّن عبَد غيرَ الله ودعاه، حيث يترك دعاء السميعِ المجيبِ القدير، ويدعو مِن دونه الضعيفَ العاجزَ الذي لا قدرة له على الاستجابة، كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ ٢، فهذا أخطرُ أنواع الاعتداء في الدعاء وأشدُّها ضررًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فهؤلاء أعظمُ المعتدين عدوانًا، فإنَّ أعظم العدوان الشرك وهو وضع العبادة في غير موضعها، فهذا العدوان لا بدَّ أن يكون داخلًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ "٣.
وأيُّ اعتداءٍ أعظم وأشدُّ من هذا، أن يَصرفَ العبدُ حقَّ الله الخالص الذي لا يجوز أن يُصرف لأحدٍ سواه إلى مخلوقٍ لا يَملكُ لنفسه ضرًّا
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف، الآية: (٥) . ٢ سورة الرعد، الآية: (١٤) . ٣ مجموع الفتاوى (١٥/٢٣) .
[ ٢ / ٧١ ]
ولا رَشدًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلًا عن أن يَملك شيئًا من ذلك لغيره، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِن ظَهِيرٍ﴾ ٣.
وما من ريب أنَّ هذا هو أعظم العدوان وأشد الانحراف والطغيان، نسأل الله العافية والسلامة.
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآية: (٣) . ٢ سورة الأعراف، الآية: (١٩٤) . ٣ سورة سبأ، الآية: (٢٢) .
[ ٢ / ٧٢ ]