إنَّ مِمَّا ينبغي للمسلم أن يتنبّه له في أمر الدعاء أن يحذرَ غايةَ الحَذَر من الاعتداء فيه، فإنَّ اللهَ جلَّ وعلا لَماَّ أَمر عبادَه في آية الأعراف بالدعاء تضرعًا وخفيةً أخبر في أثناء ذلك بأنَّه لا يحب المعتدين، وذلك في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ١، وهذه الآيةُ الكريمةُ وإن كان التحذيرُ فيها من الاعتداء وَرَدَ بصيغةِ العموم متناولًا لكلِّ نوعٍ من أنواع الاعتداء، إلاَّ أنَّ تناولَها للتحذير من الاعتداء في الدعاء أكثرُ لِمَجيئِها في سياق الأمر به وذِكرِ شروطه وآدابه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ قيل: المراد إنَّه لا يحبُّ المعتدين في الدعاء، كالذي يَسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء وغير ذلك، وقد روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن مغفَّل أنَّه سمع ابنَه يقول: " اللَّهمَّ إنِّي أسألك القصرَ الأبيض عن يمين الجنَّة إذا دخلتها، فقال: يا بُنيَّ سلِ الله الجنَّة وتعوَّذ به من النار، فإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: سيكون في هذه الأمة قومٌ يعتدون في الطُهور والدعاء "٢.
ثمَّ قال ﵀: وإن كان الاعتداء مرادًا بها فهو من جملة المراد
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: (٥٥) . ٢ سنن أبي داود (رقم:٩٦)، والمسند (٤/٨٦، ٨٧)، (٥/٥٥)، وسنن ابن ماجه (رقم:٣٨٦٤)، وصححه العلاَّمة الألباني ﵀ في صحيح سنن أبي داود (رقم:٨٧) .
[ ٢ / ٧٣ ]
والله لا يحب المعتدين في كلِّ شيء دعاءً كان أو غيرَه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ١ "٢ اهـ.
وعلى هذا فإنَّ الآيةَ الكريمة تكون دالةً على أمرين اثنين:
أحدهما: محبوبٌ إلى الله مرغَّبٌ فيه، وهو دعاءُ الله ﷿ تضرُّعًا وخُفيةً.
والثاني: مكروهٌ له مسخوطٌ عنده، مُحذَّرٌ منه أشدَّ التحذير، وهو الاعتداء، فأمر بِما يُحبُّه وندب إليه ورغَّب فيه، وحذَّر مما يُبغضُه، وزجر عنه بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير، وهو إخبارُه سبحانه بأنَّه لا يحبُّ فاعلَه، ومَن لا يحبُّه الله فأيُّ خيرٍ ينال وأيُّ فضلٍ يؤمل٣.
ومن هنا كان متأكَّدًا على كلِّ مسلم أن يكون في حذرٍ بالغٍ وحَيْطةِ كاملة من الاعتداء في الدعاء بتجاوز حدِّ الشريعة فيه، والبعدِ عن ضوابِطه وأصولِه المعلومة، والاعتداء مشتقٌّ من العدوان، وهو تجاوز ما ينبغي أن يُقتصر عليه من حدود الشريعة وضوابِطها المعلومة، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ ٤، أي أنَّ ما فصله الله سبحانه لعباده من الشرائع والأحكام يجب ملازمتُه والوقوفُ عنده وعدمُ تعدِّيه ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ٥، وأيُّ ظلمٍ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: (١٩٠) . ٢ مجموع الفتاوى (١٥/٢٢ - ٢٣) . ٣ انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٥/٢٣ - ٢٤) . ٤ سورة البقرة، الآية: (٢٢٩) . ٥ سورة الطلاق، الآية: (١) .
[ ٢ / ٧٤ ]
للنفس أنكى وأشد من تجاوز الحدود الشرعية وضوابطها المهمَّة المتَّبَعة.
ثمَّ كيف يُؤَمِّل في الإجابة ويَطمع في القبول مَن يتجاوز في دعائه ضوابطَ الشريعة ويتعدَّى حدودَها المقرَّرة، فالدعاءُ المعتدَى فيه لا يحبُّه الله ولا يرضاه، فكيف يؤمل صاحبُه أن يُستجاب منه ويُقبل.
والاعتداء في الدعاء يتناولُ أمورًا عديدة متفاوتةً في الخطورة والبُعدِ عن الحقِّ والاعتدال، إلاَّ أنَّ أشدَّ الاعتداء خطرًا وأعظمَه ضررًا على صاحبِه دعاءُ غير الله تعالى، فإنَّ ذلك أعظمُ العدوان وأقبحُ الذُّلِّ والهوان؛ إذ كيف يتوجَّه المخلوق بدعائه ورجائه وذُلِّه وخضوعه إلى مخلوق مثله لا يُعطي ولا يمنع، ولا يخفض ولا يرفع، ويَدَعُ مَن بيده أزمَّة الأمور ومقاليدُ السموات والأرض؛ ولهذا فإنَّ مَن يدعو غيرَ الله وهو يؤمِل أن يُستجاب له قد بلغ النهاية في الضلال ولم يحصل مِن ذلك إلاَّ على الخَيْبة والحِرمان والذُّلِّ والخُسران في الدنيا والآخرة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ١.
ومِن الاعتداء في الدعاء سؤالُ الله ﷿ ما لا يجوز أن يُسأَلَه من المعونة على فعلِ المُحرَّمات وارتكاب الذنوب وغشيان المعاصي، كأن يسأل الله أن يعينه على سفر يريد به الإثمَ والباطلَ، أو أن يُيسِّرَ له طريقًا للفاحشة والعدوان.
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف، الآية: (٥) .
[ ٢ / ٧٥ ]
ومن الاعتداء في الدعاء أن يسألَ الله ما عُلم من حكمته سبحانه أنَّه لا يفعله، كأن يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو أن يسأله أن يرفع عنه لوازمَ البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب والهواء، أو أن يسأله إطلاعَه على غَيبِه وما استأثر سبحانه بعلمه، أو أن يسأله أن يَجعلَه من المعصومين، أو أن يَهبَ له ولدًا من غير زوجة، ونحو ذلك مِمَّا سؤالُه اعتداءٌ لا يحبُّه الله ولا يحب فاعله١.
ومن الاعتداء في الدعاء سؤالُ الله ما لا يليق بالسائل من المنازل والدرجات، كأن يسأل الله منازلَ الأنبياء والمرسَلين، أو يكون ملَكًا أو نحو ذلك.
وكذلك من العدوان في الدُّعاء أن يدعوَ اللهَ غير متضرِّع، بل دعاء هذا يكون كالمستغنِي المدلِي على ربِّه.
ومن الاعتداء أن يَعبدَه بِما لَم يشرع، ويُثنِي عليه بِما لَم يُثنِ به على نفسِه ولا أذِنَ فيه.
ومن الاعتداء في الدعاء كذلك الدعاءُ على المؤمنين باللَّعنة والخِزي والهوان، قال بعضُ السلف في معنى المعتدين في الآية المتقدِّمة: " هم الذي يدعون على المؤمنين فيما لا يحلُّ، فيقولون: اللَّهمَّ اخزِهم، اللَّهمَّ الْعَنْهم "٢.
وجاء عن سعيد بن جُبير في معنى الآية قال: " لا تدعوا على المؤمن
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٥/٢٢) . ٢ تفسير البغوي (٢/١٦٦) .
[ ٢ / ٧٦ ]
والمؤمنة بالشَّرِّ: اللَّهمَّ اخْزِه والْعَنه ونحو ذلك، فإنَّ ذلك عدوان "١.
ومن الاعتداء رفع الصوت به رفعًا يُخلُّ بالأدب، قال عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج: " إنَّ من الدعاء اعتداء: يكره رفعُ الصوت والنداءُ والصياحُ بالدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة "٢.
وعمومًا فإنَّ الإنسانَ بحسب مفارقته للسنة وابتعاده عن هدي خير الأمة محمد بن عبد الله صلواتُ الله وسلامه عليه يكون نصيبُه من الاعتداء والتجاوز، ومَن لزِمَ هديَ النبي الكريم ﷺ وتقيَّد بسنَّته أمِن من الزَلل، وحفظ بإذن الله من الخطل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وإنَّما اشتغلت قلوب طوائف من الناس بأنواع من العبادات المبتدَعة إمَّا بالأدعية، وإمَّا من الأسفار، وإمَّا من السماعات ونحو ذلك؛ لإعراض قلوبِهم عن المشروع، وإن قاموا بصورة المشروع، وإلاَّ فمَن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه عاقلًا لما اشتملت عليه من الكلِم الطيب والعمل الصالح مهتمًا بها كلَّ الاهتمام أَغْنَتْه عن كلّ ما يَتوهم فيه خيرًا من جنسها، ومَن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ بعقله، وتدبَّر بقلبه وجد فيه من الفهم والحلاوة والهدى وشفاء القلوب والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره، ومَن اعتاد الدعاءَ المشروع في أوقاته كالأسحار وأدبار الصلوات والسجود ونحو ذلك،
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور للسيوطي (٣/٤٧٥) . ٢ تفسير الطبري (٥/٢٠٧) .
[ ٢ / ٧٧ ]
أغناه عن كلِّ دعاء مبتدَع في ذاته، أو في بعض صفاته، فعلى العاقلِ أن يجتهدَ في اتِّباع السنة في كلِّ شيء من ذلك، ويعتاض عن كلِّ ما يظنُّ من البدع أنَّه خيرٌ بنوعِه من السنن، فإنَّه من يتحرَّى الخيرَ يُعطه، ومَن يتوقَّى الشرَّ يوقه ". اهـ كلامه رحمه الله١.
وهو كما ترى كلامٌ عظيمُ النفع جليلُ الفائدة من عَلَم الأعلام وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأسكنه الجنَّة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرَ الجزاء وأوفرَه.
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم (ص:٣٨٤) .
[ ٢ / ٧٨ ]