سبق الإشارةُ إلى جُملةٍ من الأوقات الفاضلةِ التي يُرجى فيها قبولُ الدعاء أكثرَ من غيرها؛ إذ إنَّ المسلمَ في كلِّ وقتٍ يدعو اللهَ ﷿ في أيِّ ساعةٍ من ليل أو نهارٍ يرجو أن يتقبَّلَ اللهُ منه، إلاَّ أنَّ هناك أوقاتًا فاضلةً خصَّها الشارعُ بِمزيد فضيلةٍ فكان القبولُ فيها أرجى، والإجابةُ فيها أحرى من غيرها، فينبغي للمسلم أن يتحرَّى فيها الدعاءَ كثلثِ الليل الآخر، وكالساعة التي في يوم الجمعة، وغيرِ ذلك مِمَّا سبق الإشارةُ إليه.
وكما أنَّ هناك أوقاتًا فاضلةً ينبغي أن يتحرَّى المسلمُ فيها الدعاءَ، فكذلك هناك أحوالٌ فاضلةٌ في المسلم يزيد فيها قُربُه من الله وإقبالُه عليه وخشوعُه وخضوعُه واستكانتُه، ينبغي على المسلم أن يكثر فيها الدعاء وأن يعظم فيها الطلب.
ومِن ذلك في الصلاة، عندما يقفُ العبدُ بين يدي الله خاشعًا خاضعًا متذلِّلًا منيبًا، ولا سيما حال السجود، فإنَّ العبدَ في سجوده يكون قريبًا من ربِّه، فينبغي في هذه الحال أن يُكثرَ من دعاء الله وسؤالِه ومناجاتِه؛ لعِظَمِ قربِه فيه من الله ﷿، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " أقربُ ما يكون العبدُ من ربِّه وهو ساجد، فأكثِروا الدعاء " ١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٤٨٢) .
[ ٢ / ١٠٤ ]
وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " ألاَ إنِّي نُهيتُ أن أقرأَ القرآنَ راكعًا أو ساجدًا، فأمَّا الرُّكوعُ فعَظِّموا فيه الرَّبَّ ﷿، وأمَّا السجودُ فاجتهدوا في الدعاءِ، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم " ١، أي حقيقٌ وجديرٌ أن يُستجاب لكم.
وكذلك يُتحرَّى الدعاء في آخر الصلاة قبل السلام بعد الصلاة الإبراهيمية على النبي ﷺ، فقد روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وغيرُهم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " كنتُ أصلِّي والنبيُّ ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلمَّا جلستُ بدأتُ بالثناء على الله، ثمَّ الصلاة على النبي ﷺ، ثمَّ دعوتُ لنفسي، فقال النبي ﷺ: سَلْ تُعطه، سل تُعطه "٢.
وروى الترمذي والنسائي وغيرُهما عن فضالةَ بن عبيد ﵁ قال: " سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاتِه لَم يُمجِّد اللهَ ولم يُصلِّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: عجِلتَ أيُّها المصلِّي، ثمَّ علَّمهم رسولُ الله ﷺ، وسَمِعَ رسولُ الله ﷺ رجلًا يصلِّي فمجَّد اللهَ وحمِدَه وصلَّى على النبيِّ ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: ادْعُ تُجب، وسَلْ تُعط "٣.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٤٧٩) . ٢ المسند (١/٤٤٥)، وسنن الترمذي (رقم:٥٩٣)، والسنن الكبرى للنسائي (رقم:٨٢٥٨)، وحسَّنه العلاَّمة الألباني ﵀ في تخريج المشكاة (رقم:٩٣١) . ٣ سنن الترمذي (رقم:٣٤٧٦)، وسنن النسائي (٢/٤٤)، وصححه العلاَّمة الألباني ﵀ في صحيح سنن الترمذي (رقم:٢٧٦٥) .
[ ٢ / ١٠٥ ]
ومِن الأحوال التي يكون فيها المسلمُ حريًّا بالقبول وإجابة الدعاء، دعوته حال صيامِه، فقد روى البيهقي من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: " ثلاثُ دعواتٍ لا تُردُّ: دعوةُ الوالد، ودعوةُ الصائم، ودعوة المسافر "١.
وكذلك عندما يكون المسلمُ متلبِّسًا بإحرامه قاصدًا بيتَ ربِّه، يريد الحجَّ أو العمرةَ، فإنَّ هذا من أسبابِ إجابةِ الدعاء، روى ابنُ ماجه في سننه وغيرُه بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: " الغازي في سبيل الله والحاجُّ والمعتمرُ وَفْدُ الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم "٢.
وأفضلُ ما يكون الدعاء للحاج يوم عرفة، فهو يوم إجابة الدعوات، وإقالةِ العثرات، وتفريج الكربات، وإغاثةِ الملهوفين، وقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنَّه قال: " خيرُ الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلتُه أنا والنبيُّون من قبلي لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير "٣؛ إذ في هذا اليوم المبارك يَغشى الناسَ من الإيمان والطمأنينةِ والخشوع والخضوع ما يكون سببًا لقبول دعواتِهم
_________________
(١) ١ السنن الكبرى للبيهقي (٣/٣٤٥)، وصححه العلامة الألباني ﵀ في الصحيحة (رقم:١٧٩٧) . ٢ سنن ابن ماجه (رقم:٢٨٩٣)، وصحيح ابن حبان (رقم:٤٦١٣)، وحسنه العلامة الألباني ﵀ في الصحيحة (رقم:١٨٢٠) . ٣ سنن الترمذي (رقم:٣٥٨٥)، وحسنه العلامة الألباني ﵀ في الصحيحة (٤/٧، ٨) بمجموع الطرق والشواهد.
[ ٢ / ١٠٦ ]
وإقالة عثراتهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " مِن المعلوم أنَّ الحجيجَ عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنورِ والبركةِ ما لا يمكن التعبير عنه "١.
وفي الحجِّ أمكنةٌ خاصةٌ ينبغي للمسلم أن يقفَ بها ويتحرَّى فيها الدعاءَ اقتداءً بالنبي ﷺ، حيث ثبت عنه أنَّه كان يقفُ فيها ويستقبلُ القبلةَ ويدعو الله ﷿، وهي بالأخصِّ ستة أماكن: في عرفة كما تقدَّم، وفي المَشعر الحرام كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ ٢، وقد جاء في حديث جابر ﵁ في صفة حجَّة النبي ﷺ: " أنَّه ركب القصواءَ حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبَّره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس "، رواه مسلم٣.
وكذلك على الصفا والمروة لما ثبت في صحيح مسلم في حديث جابر المتقدِّم: " أنَّ النبي ﷺ كان إذا وقف على الصفا يُكبِّر ثلاثا ويقول: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير، يصنع ذلك ثلاث مرَّات ويدعو، ويصنع على المروةِ مثلَ ذلك "٤.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٥/٣٧٤) . ٢ سورة البقرة، الآية: (١٩٨) . ٣ صحيح مسلم (٢/٨٩١) . ٤ انظر: صحيح مسلم (٢/٨٨٨) .
[ ٢ / ١٠٧ ]
وكذلك بعد رمي الجمرتين الصغرى والوسطى، لما ثبت في صحيح البخاري أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يُكبِّر على إثر كلِّ حصاة ثمَّ يتقدَّم حتى يُسهلَ فيقوم مستقبلَ القبلة، فيقومُ طويلًا يدعو ويرفع يديه، ثمَّ يرمي الوسطى ثمَّ يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقومُ مستقبلَ القبلة فيقومُ طويلا ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلًا، ثمَّ يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثمَّ ينصرف فيقول: هكذا رأيتُ النبيَّ ﷺ يفعله "١.
فهذه ستة مواضع ثبت أنَّ النبي ﷺ يقف فيها ويتحرَّى الدعاء ويرفع يديه، وعمومًا فالدعاءُ له شأنٌ عظيم في الحج والصلاة والصيام، بل له شأنٌ بالغٌ في العبادات كلِّها، بل هو روحُ العبادة ولُبُّها.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:١٧٥١) .
[ ٢ / ١٠٨ ]