تقدم معنا الإشارةُ إلى أوقاتٍ وأحوالٍ تُجاب فيها الدعوات، وهي أوقاتٌ وأحوالٌ فاضلة يزداد فيها قُربُ العبدِ من ربِّه ويَعْظُم إلْحاحُه عليه، ويَقوى إقبالُه وقربه وإخلاصه، وفي السنة النبوية المباركة إشاراتٌ إلى أمور عديدة من هذا القبيل يُنبّه فيها رسولُ الله ﷺ أنَّ من كان كذلك فإنَّ دعوتَه لا تُردُّ. ولَعلِّي أشير هنا إلى جملةٍ من نصوص السنة الواردة فيمن لا ترد دعوتهم. فمِمَّا ورد في السنة أنَّ دعوتهم لا ترد: الصائم حتى يفطر، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده أو عليه، ودعوة المظلوم، ففي السنن الكبرى للبيهقي من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: " ثلاثُ دعواتٍ لا تُردُّ: دعوةُ الوالد، ودعوةُ الصائم، ودعوة المسافر "١.
وروى الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " ثلاثُ دعوات يستجاب لهنّ لا شكّ فيهنَّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده "٢، وقد رواه
_________________
(١) ١ السنن الكبرى للبيهقي (٣/٣٤٥)، وصححه العلامة الألباني ﵀ في الصحيحة (رقم:١٧٩٧) . ٢ سنن أبي داود (رقم:١٥٣٦)، وسنن ابن ماجه (رقم:٣٨٦٢)، وسنن الترمذي (رقم:١٩٠٥)، وحسنه العلامة الألباني ﵀ في الصحيحة (رقم:٥٩٦) .
[ ٢ / ١٠٩ ]
الإمام أحمد في مسنده بلفظ " دعوة الوالد على ولده "١.
ومِمَّا ورد أيضًا في دعوة المظلوم حديثُ ابن عباس ﵄ في ذكر بعثة النَّبِيِّ ﷺ معاذًا إلى اليمن وفيه: " واتقِ دعوة المظلوم فإنَّها ليس بينها وبين الله حجاب " ٢.
وكُتُب السير والأخبار مليئةٌ بذكر الوقائع والشواهد على ذلك، ومِن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عروة بن الزبير: أنَّ أروى بنت أويس ادَّعت على سعيد بن زيد أنَّه أخذ شيئًا من أرضها فخاصمته إلى مروان بن الحكم فقال سعيدٌ: أنا كنتُ آخذُ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعتُ من رسول الله ﷺ؟ قال: وما سمعتَ من رسول الله ﷺ؟ قال سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " مَن أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طُوِّقه إلى سبع أرضين "، فقال له مروان: لا أسألك بيِّنة بعد هذا. فقال: اللَّهمَّ إن كانت كاذبةً فعمِّ بصرَها واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرُها، ثمَّ بَيْنَا هي تمشي في أرضِها إذ وقعت في حُفرة فماتت " ٣.
وكذلك دلّت السنة أنَّ دعوةَ المسلم لأخيه المسلمِ بظهر الغيب لا تُرَد، ففي صحيح مسلم عن أم الدرداء ﵂: أنَّها قالت لصفوان أتريد الحج العام؟ قال: فقلت: نعم، قالت فادعُ الله لنا بخير فإنَّ
_________________
(١) ١ المسند (٢/٢٥٨) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٢٤٤٨) . ٣ صحيح مسلم (٣/١٢٣١) .
[ ٢ / ١١٠ ]
النبي ﷺ كان يقول: " دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابةٌ، عند رأسه مَلَكٌ كلَّما دعا لأخيه بخير قال المَلَكُ الموكَّلُ به: آمين، ولك بمثل "١.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: " ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلاَّ قال المَلَك ولك بمثل " ٢.
ومِمَّا ورد في السنة في إجابة الدعاء ما ثبت في صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، ثمَّ قال: اللهمّ اغفر لي أو دعا استُجيب له، فإن توضأ وصلّى قُبلت صلاتُه "٣.
وروى أبو داود في سننه، وأحمد في المسند، وغيرُهما عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ما من مسلم يبيت على ذكر الله طاهرًا فيتعارَّ من الليل فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلاَّ أعطاه الله إيّاه "٤.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٢٧٣٣) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٢٧٣٢) . ٣ صحيح البخاري (رقم:١١٥٤) . ٤ سنن أبي داود (رقم:٥٠٤٢)، والمسند (٥/٢٣٤، ٢٤١، ٢٤٤)، وصححه العلامة الألباني ﵀ في صحيح الجامع (رقم:٥٧٥٤) .
[ ٢ / ١١١ ]
والعبدُ كلَّما كان قريبًا من الله مطيعًا له محافظًا على أوامره كان حريًاّ بالإجابة والقبول في دعواته ومناجاته لربّه، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إنَّ الله تعالى قال: مَن عادى لي وليًاّ فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته "١.
وكذلك عندما يُقبِل العبد على الله إذا مسّه الضرُّ بصدقٍ وإخلاصٍ وشدّة رغبةٍ فإنَّ دعاءَه لا يُردّ، والله يقول: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ٢، قال بعض أهل العلم في هذه الآية: " ضَمِن الله تعالى إجابةَ المضطر إذا دعاه، وأخبرَ بذلك عن نفسه، والسببُ في ذلك أنَّ الضرورةَ إليه باللَّجَأ ينشأ عن الإخلاص وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقعٌ وذمّةٌ وُجِدَ من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر "٣.
ودعوةُ ذي النون ﵇ التي دعا بها في بطن الحوت لها شأنٌ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٦٥٠٢) . ٢ سورة النمل، الآية: (٦٢) . ٣ تفسير القرطبي (١٣/١٤٨)
[ ٢ / ١١٢ ]
عظيمٌ في الإجابة والقبول، قال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقد ثبت في السنة أنَّ هذه الدعوةَ العظيمة المباركة لا يدعو بها مسلم في شيء إلاّ استجاب الله له، روى الترمذي وغيره عن رسول الله ﷺ قال: " دعوةُ ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلاَّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لَم يَدْعُ بها رجل في شيء قط إلاَّ استجاب الله له "٢.
وإذا ضمّ العبدُ إلى ذلك التوسلَ إلى الله بأعمالِه الصالحة التي قام بها في حياته متقرِّبًا بها إلى الله طالبًا بها مرضاته لَم تُردَّ له دعوة كما هو الشأن في النفر الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة وهم في الغار فتوسَّلَ كلُّ واحد منهم بعمل من أعماله الصالحة حتى فرّج الله عنهم بذلك وقد مضت قصّتهم كاملة.
فتقرُّبُ العبد إلى الله وإكثارُه من الأعمال الصالحة وإقبالُه على ربِّه بما يرضيه هو أعظمُ أسباب القبول وأهمُّ دواعي الإجابة، والتوفيق بيد الله وحده.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآيات: (٨٧، ٨٨) . ٢ سنن الترمذي (رقم:٣٥٠٥)، والمسند (١/١٧٠)، وصححه العلامة الألباني ﵀ في صحيح الجامع (رقم:٣٣٨٣) .
[ ٢ / ١١٣ ]