إنَّ الدعاءَ طاعةٌ عظيمةٌ وعبادةٌ جليلةٌ يلزم المسلمَ فيها - شأن جميع العبادات - التقيّدُ بهدي الرسول الكريم ﷺ، ولزوم سنّته، واتباعُ طريقته، وسلوكُ سبيله، فإنَّ خيرَ الهدي وأكملَه وأقومَه هدي محمد ﷺ، وقد كان ﵊ يقول كلَّ جمعة إذا خطب الناس: " أما بعد فإنَّ أصدق الحديث كتابُ الله وخيرَ الهدي هدي محمد ﷺ، وشرَّ الأمور محدثاتها وكلَّ محدثة بدعة وكلَّ بدعة ضلالة وكلَّ ضلالة في النار "١، ولذا فإنَّ الواجب على كلِّ مسلم أن يحذر أشدَّ الحذر من المحدثات في الدين، ويلزم في جميع أمور دينه هديَ سيِّد الأنبياء والمرسَلين.
إنَّ هديَ النبي ﷺ في الدعاء هديٌ كاملٌ لا نقصَ فيه بوجه من الوجوه، فلم يَدَعْ ﷺ شيئًا من الخير والفائدة المتعلِّقةِ بالدعاء إلاَّ بيّنها على أتمِّ الوجوه وأكملِها وأوفاها كما هو شأنُه صلوات الله وسلامه عليه في جميع جوانب الدين، ولم يمت ﷺ حتى أنزل الله قوله: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ ٢، ومَن يتأمّل هديَه ﷺ في الدعاء يجدُه هديًا كاملًا وافيًا شاملًا لا نقصَ فيه، فبيّن للأمَّة الأدعيةَ المتعلِّقة بالأوقات المعيّنة أو الأمكنة المعيّنة أو الأحوال المعيّنة، ووضّح المطلق من الدعاء والمقيّد، وقد سبق
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٨٦٧) . ٢ سورة المائدة، الآية: (٣) .
[ ٢ / ١١٤ ]
ذكرُ بعض ما ورد عنه مما يتعلّق بالأوقات الفاضلة التي يُستحَبُّ للمسلمين أن يتحرّوا فيها الدعاءَ، وسبق ذكرُ ما ورد عنه من بيان للأمكنة الفاضلة التي يستحب تحري الدعاء فيها، وكذلك سبق الإشارةُ إلى جملة من الأحوال الفاضلة التي يكون عليها المسلم فيستحب له فيها تحري الدعاء؛ لعِظم قربِه فيها من الله وشدَّةِ إخباته وخضوعه وذُلِّه.
وقد اشتملت أدعيةُ النبيِّ ﷺ الثابتةُ عنه جميعَ أحوال الناس من سرورٍ أو حزنٍ، وصحةٍ أو سقمٍ، ونعمةٍ أو مصيبةٍ، وسفرٍ أو إقامة وغير ذلك، فدلَّ أمّتَه ﷺ في ذلك كلِّه إلى خير ما ينبغي أن يقولوه في جميع تلك الأحوال، ولَم يَدَعْ ﷺ شيئًا من الدعاء المقرِّب إلى الله والموصِل إلى الخير والسعادة في الدنيا والآخرة إلاَّ بيَّنه للأمَّة تامًاّ كاملًا، كيف لا وهو القائلُ صلوات الله وسلامه عليه: " ما بَعث الله من نبِيٍّ إلاَّ كان حقًاّ عليه أن يدلَّ أمَّتَه على خير ما يعلمه لهم، ويُنذِرهم شرّ ما يعلمه لهم "، رواه مسلم١.
وإنَّ من العجب حقًاّ أن يَدَعَ بعضُ عوامِّ المسلمين الأدعيةَ الصحيحةَ الثابتةَ عن رسول الله ﷺ وهي مجموعة في كتبٍ كثيرة معتَبَرةٍ مُتَداولَة بين المسلمين ويُقْبِلوا على أدعِيةٍ مُحْدَثَةٍ مُبتدَعَةٍ أنشأها بعضُ المتكلِّفِين، وكتبَها بعضُ المتخرِّصين دون تعويلٍ على الكتاب والسنة، ودون اعتبارٍ لِهَدْيِ خيرِ الأمَّةِ صلوات الله وسلامه عليه، فشَغَلُوا بذلكَ الناسَ عن السُّنَنِ وأوقَعوهم في البدعِ، وفي مثل هذا يقولُ بعضُ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:١٨٤٤) .
[ ٢ / ١١٥ ]
السَّلف: " ما ابتدع قومٌ بدعةً في دينهم إلاَّ نَزَع الله من سنَّتِهم مثلَها، ثمّ لا يُعيدُها إليهم إلى يوم القيامة "١، وكيف يليق بمسلم يعرفُ فضلَ الرسول ﷺ وقَدْرَه ونُصْحَه لأمَّته، ثمَّ مع ذلك يَدَعُ هديَه وأدعِيتَه العظيمة المبارَكة، ويُقْبِلُ على أدعيةِ وكتبِ هؤلاء المتخرِّصين المتَكَلِّفين.
قال أبو بكر محمد بن الوليد الطَرْطُوشيُّ صاحبُ كتاب الحوادث والبدع: " ومِن العَجب العُجاب أن تُعرِضَ عن الدعوات التي ذَكَرها الله في كتابه عن الأنبياء والأولياء والأصفياءِ مقرونةً بالإجابةِ، ثمَّ تنتقي ألفاظَ الشُّعراء والكتَّاب، كَأنَّك قد دعوتَ في زعمِك بجميع دعواتِهم ثمّ استعنتَ بدعوات مَن سواهم "٢.
ويقول الإمام القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ وهو يذكر جملة من أنواع الاعتداء في الدعاء: " ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخيّر ألفاظًا مفقرةً، وكلماتٍ مسجَّعةً، قد وجدها في كراريس، لا أصل لها ولا معوّل عليها فيجعلها شعارَه، ويترك ما دعا به رسوله ﷺ، وكلُّ هذا يَمنع من استجابة الدعاء "٣.
وإنَّ أشدَّ ما يكون في هذا الأمر خطورةً أنَّ بعضَ هذه الأدعية المؤلّفةِ مشتملةٌ على ألفاظٍ كفرية واستغاثات شركية وشطط بالغ، قال
_________________
(١) ١ سنن الدارمي (١/٨٥)، والمصنف لعبد الرزاق (١/٩٣) . ٢ الفتوحات الربانية لابن علان (١/١٧) . ٣ الجامع لأحكام القرآن (٧/١٤٤) .
[ ٢ / ١١٦ ]
أبو العباس أحمدُ بن إدريس القرافي بعد أن ذكر أنَّ الأصلَ في الدعاء التوقف، وذكر أنواعًا من الأدعية الكفرية الناقلة من الملّة الإسلامية: " إذا تقرّر هذا فينبغي للسائلِ أن يحذرَ هذه الأدعيةَ وما يجري مجراها حَذرًا شديدًا؛ لما تؤدي إليه من سَخطِ الدَيَّان والخلودِ في النيران وحبوط الأعمال وانفساخ الأنكحة واستباحة الأرواح والأموال، وهذا فسادٌ كلّه يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية ولا يرجع إلى الإسلام، ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلاَّ بتجديد الإسلام، والنطق بالشهادتين؛ فإن مات على ذلك كان أمره كما ذكرناه، نسأل الله تعالى العافية من موجبات عقابه "١.
إنَّ الواجب على كلِّ مسلم أن يَحذر أشدّ الحَذر من مِثل هذه الأدعيةِ التي أَحْدَثَها بعضُ شيوخ الضلال وأئمّة الباطلِ، فصدُّوا بها الناسَ عن هَدْيِ النبي ﷺ وصرَفُوهم بها عن سنَّتِه، فضَلُّوا وأضَلُّوا كثيرًا وضَلُّوا عن سواء السبيل، وإنَّ المسلم الفَطِن ليتساءل في هذا المقام ما الذي دعا أولئكَ إلى ابتكار تلك الأدعيةِ واختراعِ تلك الأورادِ رَغم ما فيها من ضلال وباطل، فلا يَجِد جوابًا على ذلك إلاَّ أنَّ أولئك يريدون أكلَ أموال الناس بالباطل وتكثيرَ الأتباع والمريدين، وقد سبق أن مرَّ معنا قولُ معاذ بن جبل ﵁: " إنَّ من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال ويُفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحرُّ، فيوشكُ قائلٌ أن يقول ما للناس لا
_________________
(١) ١ الفروق للقرافي (٤/٢٦٤ - ٢٦٥) .
[ ٢ / ١١٧ ]
يتبعوني وقد قرأتُ القرآن؟ ما هم بمتبعيَّ حتى أبتدع لهم غيرَه، فإيّاكم وما ابتدع، فإنَّ ما ابتدع ضلالةٌ "١، رواه أبو داود في سننه والآجري في الشريعة، فمِن هؤلاء يجب أن يكون المسلم على حَذَرٍ بالغٍ وحَيْطَةٍ كاملة، وليلزم السُّنَّةَ، وليتبِّع سبيلَ أهلِها، ففي ذلك السلامة والفلاح.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:٤٦١١)، والشريعة (رقم:٩٠، ٩١)، وصححه العلاَّمة الألباني ﵀ في صحيح سنن أبي داود (رقم:٣٨٥٥) .
[ ٢ / ١١٨ ]