إنّ الله ﵎ لمّا أمر بذكره في القرآن الكريم، وحثَّ عليه ورغّب فيه في آيٍ كثيرةٍ منه، حذّر أيضا من الوقوع في ضدّه وهو الغفلة، إذ لا يتمُّ الذِّكرُ لله حقيقةً إلاّ بالتخلُّص من الغفلة والبعد عنها، وقد جمع الله بين هذين الأمرين في آية واحدة من القرآن - أعني الأمر بالذِّكر والنهي عن الغفلة - وذلك في قوله تعالى من آخر سورة الأعراف: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ﴾ ١.
والمراد بقوله في الآية ﴿وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي: من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فإنهم حُرِموا خيري الدنيا والآخرة، وأعرضوا عن مَن كلُّ السعادة والفَوز في ذكره وعبوديّته، وأقبلوا على مَن كلُّ الشقاوة والخيبة في الاشتغال به، وفي الآية أمرٌ بالذكر والمواظبة عليه وتحذيرٌ من الغفلة عنه، وتحذيرٌ من سبيل الغافلين.
والغفلةُ داءٌ خطير إذا اعترى الإنسان وتمكّن منه لم يشتغل بطاعة الله وذكره وعبادته، بل يشتغل بالأمور الملهية المبعدة عن ذكر الله، وإن عمل أعمالًا من الطّاعة والعبادة فإنّها تأتي منه على حال سيِّئة ووضع غير حسن، فتكون أعماله عاريةً من الخشوع والخضوع والإنابة والطُمأنينة والخشية والصّدق والإخلاص.
ولهذا جاء في القرآن الكريم في مواطن كثيرة منه التحذيرُ منها
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: (٢٠٥) .
[ ١ / ٥٢ ]
وذمّها وبيان سوء عاقبتها، وأنّها من خصال الكافرين وصفات المنافقين المعرضين. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْينٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ٣، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
إنّ مَثَل الغافل عن ذكر الله مثَلُ الميِّت، وقد تقدّم معنا أنّ الذِّكر هو حياةً القلوب حقيقةً، فلا حياة لها بدونه، وحاجتها إليه أعظم من حاجة السّمك إلى الماء، فالقلب الذَّاكر هو القلب الحيّ، والقلب الغافل هو القلب الميِّت.
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَثَل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكره مَثَلُ الحيِّ والميِّت". ولفظ مسلم: " مَثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مَثَلُ الحيِّ والميِّت"٤.
ففي هذا التمثيل كما يقول الشوكاني ﵀: "منقبةٌ للذَّاكر
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: (١٧٩) . ٢ سورة يونس، الآية: (٧) . ٣ سورة الروم، الآية: (٧) . ٤ صحيح البخاري (رقم:٦٤٠٧)، وصحيح مسلم (رقم:٧٧٩)
[ ١ / ٥٣ ]
جليلةٌ، وفضيلة له نبيلة، وأنّه بما يقع منه من ذكر الله ﷿ في حياةٍ ذاتيةٍ وروحيّةٍ لما يغشاه من الأنوار، ولما يصل إليه من الأجور، كما أنّ التارك للذِّكر وإن كان في حياةٍ ذاتيةٍ فليس لها اعتبارٌ بل هو شبيه بالأموات"١.
لقد جعل النبيُّ الكريمُ ﷺ في هذا الحديث بيت الذَّاكر بمنزلة بيت الحيّ، وبيت الغافل بمنزلة بيت الميِّت وهو القبر، وفي اللّفظ الأوّل جعل الذّاكر نفسه بمنزلة الحيّ، والغافل بمنزلة الميِّت، فتضمّن الحديثُ بمجموع لفظيه أنّ القلب الذّاكر كالحيِّ في بيوت الأحياء، والقلب الغافل كالميّت في بيوت الأموات، وعلى هذا فإنّ أبدان الغافلين قبورٌ لقلوبهم، وقلوبهم فيها كالأموات في القبور، ولهذا قيل:
فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبورُ
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشورُ
وقيل:
فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم فهي القبور الدوارسُ
وأرواحهم في وحشة من حبيبهم ولكنها عند الخبيث أوانسُ٢
ولهذا صحّ في الحديث عن النبي ﷺ النهيُ عن جعل البيوت قبورًا، أي: لا يصلّى فيها ولا يذكر فيها الله تعالى. ففي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتّخذوها قبورًا"٣.
_________________
(١) ١ تحفة الذاكرين (ص:١٥) . ٢ انظر: مدارج السالكين لابن القيم (٢/٤٢٩،٤٣٠) . ٣ صحيح البخاري (رقم:٤٣٢)، وصحيح مسلم (رقم:٧٧٧) .
[ ١ / ٥٤ ]
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإنَّ الشيطان يفرُّ من البيت الذي يسمع سورة البقرة تُقرأ فيه"١.
وفي سنن أبي داود وغيره بإسناد حسن من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليَّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ٢. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في بيان معنى قوله: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا" قال: "أي لا تُعطِّلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحرّيها عند القبور عكس ما يفعله المشركون من النّصارى ومن تشبّه بهم"٣. اهـ كلامه ﵀.
ولَمَّا كان القلب بهذه المثابة يوصف بالحياة وضدّها انقسمت القلوب بحسب ذلك إلى ثلاثة أقسام٤:
الأوّل: القلب السليم، وهو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شركٌ بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى إرادةً ومحبّةً وتوكُّلًا وإنابةً وإخباتًا وخشيةً ورجاءً، وخلُص عملُه لله، فإن أحبَّ أحبَّ في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٧٨٠) . ٢ سنن أبي داود (رقم:٢٠٤٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم:٧٢٢٦) . ٣ اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٦٦٢) . ٤ انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (١/١٣ - ١٥) .
[ ١ / ٥٥ ]
لله، ويكون الحاكم عليه في أموره كلّها هو ما جاء به رسول الله ﷺ فلا يتقدّم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل.
الثاني: ضد هذا وهو القلب الميّت، الذي لا حياة به فهو لا يعرف ربّه ولا يعبده ولا يمتثل أمره ولا يفعل ما يحبّه ويرضاه، بل هو واقفٌ مع شهواته ولذّاته، ولو كان فيها سخطُ ربِّه وغضبُه، فهو متعبِّدٌ لغير الله حبًّا وخوفًا ورجاءً ورضًا وسخطًا وتعظيمًا وذلًاّ، إن أحبَّ أحبَّ لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه، فهو آثَرُ عنده وأحبُّ إليه من رضا مولاه، فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركّبة.
الثالث: قلب له حياة وبه علّة، فله مادّتان تُمدُّه هذه مرّة، وهذه تُمدُّه أخرى، وهو لما غلب عليه منهما، ففيه من محبّة الله تعالى والإيمان به والإخلاصِ له والتوكّلِ عليه ما هو مادة حياته، وفيه من محبّة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها، ومن الحسد والكبر والعجب وحب العُلُوِّ ما هو مادة هلاكه وعَطَبِه.
فالقلب الأوّل حيٌّ مخبتٌ ليِّنٌ، والثاني يابسٌ ميِّت، والثالث مريض فإمّا إلى السلامة أدنى وإمّا إلى العطب أدنى، وعلى هذا فإن القلب لكي تبقى له حياتُهُ وتزول عنه غفلتُهُ وتتم له استقامتُهُ محتاجٌ إلى ما يحفظ عليه قوتَه وهو الإيمان وأوراد الطاعات والمحافظة على ذكر الله، والبعدُ عن كلّ ما يسخطه ﵎، ولا سعادة للقلب ولا لذّة ولا نعيم ولا صلاح إلاّ بأن يكون اللهُ وحده إلهه وفاطره ومعبوده وغاية مطلوبه، وأحبّ إليه من كلِّ ما سواه، فبهذا تكون نجاة القلب من الغفلة وسلامته من الهلَكة، وبهذا تسري فيه الحياة، والتوفيق بيد الله وحده.
[ ١ / ٥٦ ]