إنَّ الدعاءَ من أقوى الأسباب التي تُجلبُ بها الأمور المحبوبة، وتدفع بها الأمور المكروهة، لكنه قد يتخلَّف أثرُه وتضعف فائدتُه، وربَّما تنعدم لأسباب منها: إمَّا ضعف في نفس الدعاء، بأن يكون دعاءً لا يحبُّه الله لِما فيه من العدوان، وإمَّا لضعف القلبِ وعدم إقباله على الله وقت الدعاء، وإمَّا لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، ورَيْنِ الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتهما عليها؛ إذ إنَّ هذه الأمور تُبطل الدعاءَ، وتُضعف من شأنِه.
ولهذا فإنَّ من الضوابط المهمَّة والشروطِ العظيمةِ التي لا بدَّ من توفرها في الدعاء حضورَ قلب الداعي وعدم غفلته،؛ لأنَّه إذا دعا بقلب غافلٍ لاهٍ ضعُفت قوةُ دعائه، وضعُف أثرُه، وأصبح شأنُ الدعاء فيه بمنزلة القوس الرخو جدًّا، فإنَّه إذا كان كذلك خرج منه السهم خروجًا ضعيفًا، فيضعف بذلك أثرُه، ولهذا فإنَّه قد ورد عن النبي ﷺ الحثُّ على حضور القلب في الدعاء، والتحذيرُ من الغفلة، والإخبارُ بأنَّ عدمَ ذلك مانعٌ من موانع قبوله.
روى الإمامُ أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " القلوبُ أوعيةٌ، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتُم اللهَ ﷿ أيُّها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنَّ اللهَ لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر
[ ٢ / ١٥٠ ]
قلبٍ غافلٍ "١، وإسناده ضعيف؛ لأنَّ فيه عبد الله بن لهيعة سيء الحفظ، وباقي رجاله ثقات، إلاَّ أن له شاهدا يتقوَّى به عند الإمام الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه٢.
ومعنى الحديث صحيحٌ؛ إذ لا بدَّ للمسلم مع الدعاء مِن حضور القلب وعدم الغفلة والإيقان بالإجابة، ولهذا فقد عدَّ الإمام العلاَّمةُ ابن القيم ﵀ في كتابه الجواب الكافي غفلةَ القلبِ وعدمَ حضوره مانعًا من موانع إجابة الدعاء، واحتجَّ على ذلك بهذا الحديث ثمَّ قال: " وهذا دواءٌ نافعٌ مزيلٌ للداء، ولكن غفلة القلب تُبطل قوَّتَه "، وقال ﵀: " وإذا جُمع مع الدعاء حضورُ القلب وجَمعِيَّتُه بكليَّتِه على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة، وهو الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبة، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تُقضى الصلاة من ذلك اليوم، وآخر ساعة بعد العصر، وصادف خشوعًا في القلب وانكسارًا بين يدي الربِّ، وذُلًاّ له، وتضرُّعًا ورِقَّةً، واستقبل الداعي القبلةَ، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثمَّ ثنَّى بالصلاة على محمد عبده ورسوله، ثمَّ قدَّم بين يدي حاجته التوبةَ والاستغفار، ثمَّ دخل على الله، وألحَّ عليه في المسألة، وتَملَّقه ودعاه رغبة ورهبة، وتوسَّل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدَّم بين يدي دعائه صدقةً، فإنَّ هذا الدعاءَ لا يكاد يُردُّ أبدًا، ولا سيما إن
_________________
(١) ١ المسند (٢/١٧٧) . ٢ سنن الترمذي (رقم:٣٤٧٩)، وانظر: الصحيحة (رقم:٥٩٤) .
[ ٢ / ١٥١ ]
صادف الأدعيةَ التي أخبر النبي ﷺ أنَّها مظنَّةُ الإجابةِ، أو أنَّها متضمِّنَةٌ للاسم الأعظم ". اهـ كلامه رحمه الله١.
وهو كلامٌ عظيم النفع، مشتملٌ على ذِكر جملة من الشروط المهمَّة والآداب العظيمةِ التي لا يكاد يُرَدُّ الدعاء حال توفرها، ويُمكن تلخيص هذه الآداب في الأمور التالية:
الأول: حضورُ القلب وجَمعِيَّتُه بكليَّته على المطلوب.
الثاني: تحرِّي أوقات الإجابة.
الثالث: أن يكون عن خشوع في القلب وتذلُّل وتضرُّع ورِقَّةٍ وانكسارٍ بين يدي الله ﷿.
الرابع: أن يستقبل الداعي القبلةَ.
الخامس: أن يكون على طهارة.
السادس: أن يرفع يديه إلى الله ﷿ عند الدعاء.
السابع: أن يبدأ دعاءَه بحمد الله وحسن الثناء عليه، ثمَّ يُثَنِّي بالصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد ﷺ.
الثامن: أن يقدِّم بين يدي حاجته وطلبه التوبةَ والاستغفارَ.
التاسع: أن يُلحَّ على الله ويتملَّقه ويُكثر من مناجاته.
العاشر: أن يجمع في دعائه بين الرغبة والرهبة.
الحادي عشر: أن يتوسَّل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العظيمة وتوحيده.
_________________
(١) ١ الجواب الكافي (ص:٩) .
[ ٢ / ١٥٢ ]
الثاني عشر: أن يُقدِّم بين يدي دعائه صدقة.
الثالث عشر: أن يتخيَّر الأدعية الجامعة التي أخبر النبي ﷺ أنَّها مظنَّةُ الإجابة، أو أنَّها متضمِّنَةٌ لاسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى.
فإذا جمع المسلمُ في دعائه هذه الأمورَ العظيمةَ، فإنَّ دعاءَه لا يكاد يُردُّ أبدًا، إلاَّ أنَّ ها هنا أمرًا نبَّه عليه أهل العلم لا بدَّ من العناية به وتحقيقه، وهو أنَّ الداعيَ ينبغي له مع قيامه بالدعاء مستوفيًا لشروطه وآدابه أن يستتبع ذلك القيامَ بلوازم ذلك ومُتَمِّماته، وذلك بالسعي والجدِّ والاجتهاد في نيل المطلوب " فسؤال الله الهدايةَ يستدعي فِعلَ جميعِ الأسبابِ التي تُدركُ بها الهدايةُ؛ العلميةُ والعمليةُ، وسؤالُ الله الرحمةَ والمغفرةَ يقتضي مع ذلك فعل الممكن من الأسباب التي تُنال بها الرحمة والمغفرة، وهي معروفة في الكتاب والسنة، وإذا قال الداعي: اللَّهمَّ أَصلِح لي ديني الذي هو عِصمةُ أمري، وأَصلِح لي دنياي التي فيها معاشي، إلى آخره يقتضي في هذا الطلب والالتجاء إلى الله أن يَسعى العبدُ في إصلاح دينه بمعرفة الحقِّ واتِّباعه، ومعرفة الباطل واجتنابه، ودفع فتن الشبهات والشهوات، ويقتضي أن يسعى ويقومَ بالأسباب التي تَصلُحُ بها دنياه، وهي متنوعةٌ بحسب أحوال الخلق، وإذا قال الداعي: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ١،
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف، الآية: (١٥) .
[ ٢ / ١٥٣ ]
فمع هذا التضرع إلى الله يسعى في شكر نعم الله عليه وعلى والديه اعترافًا وثناءً وحمدًا واستعانةً بها على طاعته، وتعرّف الأعمال الصالحة التي ترضي الله والعمل بها، والسعي في تربية الذرية تربية إصلاحية دينية، وهكذا جميع الأدعية صريحة في الاتكال والتضرع إلى الله والالتجاء إليه في حصول المطالب المتنوعة، وصريحة في الاجتهاد في فعل كلِّ سبب ينال به ذلك المقصود، فإنَّ الله تعالى جعل المطالبَ كلَّها أسبابًا بها تنال، وأمرَ بفعلها مع قوة الاعتماد على الله، والدعاء يعبر عن قوة الاعتماد على الله، ولهذا كان رُوحَ العبادة ومُخَّها، وإذا سأل العبدُ ربَّه أن يتوفاه مسلمًا وأن يتوفاه مع الأبرار كان سؤالًا لحسن الخاتمة، ويستدعي فعل الأسباب والتوفيق للأسباب التي تنال بها الوفاة على الإسلام، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١، وذلك بفعل الأسباب والاعتماد على مسبِّبها "٢، وهو الله وحده الذي بيده أزمة الأمور.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: (١٠٢) . ٢ مجموع الفوائد واقتناص الأوابد لابن سعدي (ص:٩٨) .
[ ٢ / ١٥٤ ]