إنَّ من آداب الدعاء العظيمة رفعَ اليدين في الدعاء إلى الله ﷿؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة عدَّها بعضُ أهل العلم في جملة ما تواتر فيه النقلُ عن النبيِّ الكريم ﷺ، قال السيوطي في شرحه لتقريب الإمام النووي رحمهما الله ممثِّلا لِما تواتر معناه عن النبي ﷺ: " فقد ورد عنه ﷺ نحوُ مائة حديث فيه رفعُ يديه في الدعاء، وقد جمعتها في جزء، لكنها في قضايا مختلفة، فكلُّ قضية منها لَم تتواتر، والقدر المشترَك فيه هو الرفعُ عند الدعاء تواتَر باعتبار المجموع "١.
وعقد الإمام البخاري ﵀ في كتابه الصحيح في كتاب الدعوات منه بابًا بعنوان: رفع الأيدي في الدعاء، وأورد تحته عن أبي موسى الأشعري قال: " دعا النبيُّ ﷺ ثمَّ رفع يديه، ورأيتُ بياضَ إبطيه "٢، وعن ابن عمر ﵄ قال: " رفع النبيُّ ﷺ يديه وقال: اللَّهمَّ إنِّي أبرأُ إليك ممَّا صنع خالد "٣، وعن أنس، عن النبي ﷺ: " رفع يديه حتى رأيتُ بياض إبطيه "٤.
وقد أشار شارح الصحيح الحافظُ ابن حجر ﵀ إلى كثرة الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في هذا المعنى، وذكر جملةً من
_________________
(١) ١ تدريب الراوي (٢/١٨٠) . ٢ صحيح البخاري (٧/١٩٨) تعليقًا. ٣ صحيح البخاري (٧/١٩٨) تعليقًا. ٤ صحيح البخاري (رقم:٦٣٤١) .
[ ٢ / ١٧٢ ]
الأحاديث في ذلك، منها:
حديث أبي هريرة ﵁ قال: " قدم الطُفيل بن عمرو على النبي ﷺ فقال: إنَّ دوسًا عصت فادعُ اللهَ عليها، فاستقبل القبلةَ ورفع يديه، فقال: اللَّهمَّ اهدِ دوسًا "، أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد، وهو في الصحيحين دون قوله: " ورفع يديه "١.
ومنها: حديث جابر بن عبد الله: " أنَّ الطفيل بن عمرو هاجر "، وذَكَر قصَّةَ الرَّجل الذي هاجر معه، وفيه: فقال النبي ﷺ: " اللَّهمَّ ولِيَدَيْه فاغفر، ورفع يديه "، قال الحافظ: " وسنده صحيح، وأخرجه مسلم "٢.
وحديث عائشة: " أنَّها رأت النبي ﷺ يدعو رافعًا يديه يقول: اللَّهمَّ إنَّما أنا بشر "، الحديث٣، قال الحافظ: " وهو صحيح الإسناد ".
قال الحافظ: " ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه المصنِّف [أي البخاري] في جزء رفع اليدين: " رأيتُ النبيَّ ﷺ رافعًا يديه يدعو لعثمان "٤، ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في قصة الكسوف: " فانتهيتُ إلى النبيِّ ﷺ وهو رافعٌ يديه يدعو "٥، وعنده في
_________________
(١) ١ الأدب المفرد (رقم:٦١١)، وانظر: صحيح البخاري (رقم:٢٩٣٧) . ٢ الأدب المفرد (رقم:٦١٤)، وهو في صحيح مسلم (رقم:١١٦)، دون قوله: " ورفع يديه» . ٣ الأدب المفرد (رقم:٦١٣) . ٤ رفع اليدين (رقم:١٥٧) . ٥ صحيح مسلم (رقم:٩١٣) .
[ ٢ / ١٧٣ ]
حديث عائشة في الكسوف أيضًا " ثمَّ رفع يديه يدعو "١، وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع: " فرفع يديه ثلاث مرَّات "، الحديث٢، ومن حديث أبي هريرة الطويل في فتح مكة: " فرفع يديه وجعل يدعو "٣، وفي الصحيحين من حديث أبي حُميد في قصة ابن اللُّتْبِيَّة: " ثمَّ رفع يديه حتى رأيتُ عفرة إبطيه يقول: اللَّهمَّ هل بلَّغت "٤، ومن حديث عبد الله بن عمرو: " أنَّ النبيَّ ﷺ ذكر قولَ إبراهيم وعيسى فرفع يديه وقال: اللَّهم أمتي "٥، وفي حديث عمر: " كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحيُ يُسمع عند وجهه كدويِّ النحل، فأنزل الله عليه يومًا ثمَّ سُريَّ عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه ودعا "، والحديث أخرجه الترمذي واللفظ له، والنسائي والحاكم٦، وفي حديث أسامة: " كنت ردف النبيِّ ﷺ بعرفات فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناوله بيده وهو رافعٌ اليدَ الأخرى "، أخرجه النسائي بسند جيِّد٧، وفي حديث قيس بن سعد عند أبي داود: " ثمَّ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٩٠١) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٩٧٤) . ٣ صحيح مسلم (رقم:١٧٨٠) . ٤ صحيح البخاري (رقم:٢٥٩٧)، وصحيح مسلم (رقم:١٨٣٢) . ٥ صحيح مسلم (رقم:٢٠٢) . ٦ سنن الترمذي (رقم:٣١٧٣)، والنسائي في الكبرى (رقم:١٤٣٩)، والمستدرك (٢/٣٩٢) . وقال النسائي: " هذا حديث منكر، لا نعلم أحدًا رواه غير يونس بن سليم، ويونس بن سليم لا نعرفه، والله أعلم» . ٧ السنن الكبرى (رقم:٤٠٠٧)، والصغرى (٥/٢٥٤) .
[ ٢ / ١٧٤ ]
رفع رسول الله ﷺ يديه وهو يقول: اللَّهمَّ صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة "، الحديث، وسنده جيِّد١، والأحاديث في ذلك كثيرة ". اهـ كلام الحافظ رحمه الله٢، وقد تقصَّى فيه جملةً مباركة من أحاديث رفع الأيدي في الدعاء.
ومن الأحاديث الثابتة في ذلك ما رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما عن سلمان الفارسي ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " إنَّ ربَّكم حيِّيٌ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا "٣.
فهذه الأحاديثُ وما جاء في معناها تدلُّ على أنَّ من آداب الدعاء العظيمة رفع اليدين إلى الله، وأنَّ ذلك من أسباب إجابة الدعاء وقبوله، ودلَّت السنة أيضًا أنَّ لرفع اليدين في الدعاء صفاتٍ ثلاث ترجع إلى نوع الدعاء، فإذا كان ابتهالًا، وهو شدة المبالغة في الطلب فلرفع اليدين فيه صفة، وإذا كان دعاءً ومسألةً فللرفع فيه صفة، وإذا كان استغفارًا أو توحيدًا وتمجيدًا فللرفع فيه صفة، يوضح ذلك ويبيِّنه ما روي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا وموقوفًا: " المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدَّ يديك جميعًا "، وفي لفظ: " هكذا الإخلاص
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:٥١٨٥)، وذكره العلاَّمة الألباني ﵀ في ضعيف سنن أبي داود (رقم:١١١١) . ٢ فتح الباري (١١/١٤٢) . ٣ سنن أبي داود (رقم:١٤٨٨)، وسنن الترمذي (رقم:٣٥٥٦)، وصححه العلامة الألباني ﵀ في صحيح الجامع (رقم:١٧٥٣) .
[ ٢ / ١٧٥ ]
يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال، فرفع يديه مدًّا "، رواه أبو داود في سننه والطبراني في الدعاء وغيرهما١.
قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله معلِّقًا على هذا الحديث: " وقد جاءت الأحاديثُ من فعل النبيِّ ﷺ مبيِّنة مقام كلِّ حالة من هذه الصفات الثلاث، لا أنَّها من اختلاف التنوع، وبيانها كالآتي:
المقام الأول: مقام الدعاء العام ويُسمى المسألة، ويُقال: الدعاء، وهو رفع اليدين إلى المنكبين أو نحوهما ضامًّا لهما باسطًا لبطونهما نحو السماء، وظهورهما إلى الأرض، وإن شاء قنَّع بهما وجهه وظهورهما نحو القبلة، وهذه هي الصفةُ العامة لرفع اليدين حال الدعاء مطلقًا وفي قنوت الوتر والاستسقاء أو في مواطن رفعهما الستة في الحج [أي في عرفة، والمشعر الحرام، وبعد رمي الجمرتين الصغرى والوسطى، وعلى الصفا والمروة]، وغير ذلك.
المقام الثاني: الاستغفار، ويُقال: الإخلاص، وهو رفع أصبع واحدة وهي السبابة من اليد اليمنى، وهذه الصفة خاصة بمقام الذِّكر والدعاء حال الخطبة على المنبر وحال التشهد في الصلاة، وحال الذِّكر والتمجيد والهيللة خارج الصلاة
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:١٤٨٩)، (١٤٩٠)، والدعاء للطبراني (٢٠٨)، وصححه العلاَّمة الألباني ﵀ في صحيح سنن أبي داود (رقم:١٣٢١، ١٣٢٢، ١٣٢٤) موقوفًا ومرفوعًا.
[ ٢ / ١٧٦ ]
المقام الثالث: الابتهال، وهو التضرُّع والمبالغة في المسألة، ويُسمى أيضًا دعاء الرَّهب، وصفته رفع اليدين مدًّا نحو السماء حتى ترى عفرة إبطيه أي بياضهما، ويُقال في وصفه حتى يبدو عضداه، أي يرتفعان من المبالغة في الرفع، وهذه الصفة أخصُّ من الصفتين السابقتين في المقام الأول والثاني، وهي خاصة في حال الشدَّة والرَّهبة كحال الجدب، والنازلة بتسلُّط العدو، ونحو ذلك من مقامات الرَّهب " اهـ١.
فهذه أحوال الرفع في الدعاء، وهي أحوال ثلاثة بحسب نوع الدعاء، وللموضوع صلة، والله الموفِّق.
_________________
(١) ١ تصحيح الدعاء (ص:١١٦ - ١١٧) .
[ ٢ / ١٧٧ ]