لا يزال حديثُنا عن رفع الأيدي في الدعاء، وقد سبق الكلامُ على فائدة ذلك وأهميته في الدعاء، وأنَّه سببٌ من أسباب قبوله؛ لِمَا في ذلك من إظهار الافتقار والاستكانة والحاجة إلى الربِّ الكريم، حيث يمدُّ العبدُ يديه إليه مستطعمًا، سائلًا، متذلِّلًا، والله جلَّ وعلا لا يردُّ يدين مُدَّت إليه صفرًا خائبتين.
وإنَّ مِمَّا يجب على المسلم أن يعتني به في هذا الباب الحرصَ على معرفة هدي النبي ﷺ في ذلك، وترسُّمَ خطاه، ولزومَ منهجه، والبعدَ عما أحدثه الناس من صفاتٍ في الرفع وهيئات، وحركات لَم تثبت عن خير الأمة وأكملهم دعاءً وطاعةً لله رسول الله ﷺ، وقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنَّه قال: " إذا سألتم اللهَ فاسألوه ببطون أكفِّكم، ولا تسألوه بظهورها "١، وجاء عن ابن عباس ﵄ موقوفًا ومرفوعًا " المسألةُ أن ترفع يديك حذوَ منكبيك، أو نحوهما، والاستغفارُ أن تشير بأصبع واحدة، والابتهال أن تمدَّ يديك جميعًا "٢، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التعليق على هذا الحديث: " فجعل المراتبَ ثلاثة: الإشارة بأصبع واحدة كما كان يفعل يوم الجمعة على المنبر، والثانية: المسألة، وهو أن يجعل يديه حذو منكبيه
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:١٤٨٦)، وصححه العلامة الألباني ﵀ في الصحيحة (رقم:٥٩٥) . ٢ سنن أبي داود (رقم:١٤٨٩)، (١٤٩٠)، وصححه العلامة الألباني ﵀ في صحيح الجامع (رقم:٦٦٩٤) .
[ ٢ / ١٩٣ ]
كما في أكثر الأحاديث، والثالثة: الابتهال "١. اهـ. فعلى المسلم أن ينظر إلى الثابت عن النبي ﷺ في ذلك فيلتزمُه ويتقيّدُ به، فهديُه ﷺ خير الهدي، وليحذر المسلم من تكلّفات الناس وتجاوزاتهم في هذا الباب، فقد كان السلف ﵏ يحذرون من جعلِ صفة من الصفات المأثورة في غير موضعها المشروع، كمن يرفع يديه في الدعاء وهو على المنبر يوم الجمعة في غير الاستسقاء، مع أنَّ رفع اليدين في الدعاء مشروعٌ في غير هذا الموطن.
روى مسلم في صحيحه عن عمارة بن رؤيبة أنَّه رأى بشرَ بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: " قبّح الله هاتين اليدين، لقد رأيتُ رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المس بِّحة "٢، فكيف بمن يخترع في الرفع صفات لا أساس لها أو حركات لا أصل لها، ومن يتأمّل أحوالَ الداعين يرى منهم عجبًا في هذا الباب٣.
ومن ذلك أنَّ بعض الداعين ينزل في رفعه يديه مفرّقتين أو مجموعتين إلى ما تحت السرّة أو إلى السرَّة، ولا يخفى ما في ذلك من عدم المبالاة، وقلّة الاهتمام بهذا الأمر العظيم.
ومنهم من يجعل يديه عندما يرفعهما مفرّقتين، رؤوسُ الأصابع إلى القبلة والإبهامان إلى السماء، ولا يخفى ما في ذلك من المخالفة لقول
_________________
(١) ١ انظر: ثلاثيات المسند للسفاريني (١/٦٥٣) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٨٧٤) . ٣ انظر: تصحيح الدعاء للشيخ بكر أبو زيد (ص:١٢٦ - ١٢٩) .
[ ٢ / ١٩٤ ]
النبي ﷺ في الحديث المتقدم " إذا سألتم اللهَ فاسألوه ببطون أكفِّكم ".
ومنهم من يقلّب يديه إذا رفعهما في الدعاء إلى جهات عديدة أو يقوم بهزّهما أو يحركهما حركات متنوّعة.
ومنهم من إذا دعا أو قبل أن يدعو يمسح إحدى اليدين بالأخرى أو ينفض يديه ونحو ذلك، ومنهم من يُقبِّلُ يديه بعد رفعهما للدعاء، وهذا لا أصل له.
ومنهم من إذا دعا مسح وجهه بيديه بعد الدعاء، وهذا ورد فيه بعض الأحاديث إلاَّ أنَّها لا تثبت عن النبي ﷺ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأمّا رفع النبي ﷺ يديه في الدعاء فقد جاء فيه أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ، وأمّا مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلاَّ حديثٌ أو حديثان لا يقوم بهما حجة "١.
ومن الهيئات المحدَثة في رفع اليدين تقبيل الإبهامين ووضعُهما على العينين عند ذكر اسم النبي ﷺ في الأذان أو غيره، وقد روي في ذلك حديثٌ باطلٌ لا يصح عن
_________________
(١) ١ الفتاوى (٢٢/٥١٩)، وانظر: جزء في مسح الوجه باليدين بعد رفعهما للدعاء للشيخ بكر أبو زيد.
[ ٢ / ١٩٥ ]
النبي ﷺ، ولفظه: " من قال حين يسمع أشهد أنَّ محمدًا رسول الله: مرحبًا بحبيبي وقرة عيني محمد بن عبد الله ثمَّ يُقبِّل إبهامَه ويجعلهما على عينيه لَم يعمَ ولم يرمد أبدًا "، وقد نصَّ غيرُ واحدٍ من أهل العلم على أنَّ هذا الحديث باطلٌ لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم١، ومن خزعبلات المتصوِّفة أنَّ بعضهم ينسب ذلك لقول الخضر عليه السلام٢.
ومن الأمور المحدثة في ذلك ما يفعله بعضهم حيث يجمع أصابع يده اليمنى ويجعلها على عينه اليمنى وأصابع يديه اليسرى على عينه اليسرى ثمَّ يُهَمْهِم بالقراءة أو الدعاء.
ومن الأمور التي تُفعل ولم تثبت أنَّ بعضَهم يجعلُ يدَه اليمنى على رأسه عقب السلام من الصلاة يدعو، ويستنِدون في ذلك إلى ما يُروى عن أنس بن مالك ﵁ أنَّه قال: " كان رسول الله ﷺ إذا قضى صلاتَه مسح جبهته بيده اليُمنى ويقول: بسم الله الذي لا إله إلاَّ هو الرحمن الرحيم، اللَّهمَّ أذهب عنّي الغمَّ والحزن "، رواه الطبراني في الأوسط والبزار، وهو حديث لَم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم٣، ومِن الأخطاء في هذا الباب أنَّ بعضَ المصلِّين قد يشير بالسبَّابتين في التشهد، وقد ثبت في الحديث: " أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ على إنسان يدعو وهو يشير بأصبعيه السبابتين فقال رسول الله ﷺ: أَحِّد أحِّد "، رواه الترمذي٤.
ومن المخالفات في هذا الباب أنَّ بعضَ الدَّاعين قد يُخصِّص أوقاتًا يرفع فيها يديه بالدعاء دون مستند شرعي لذلك التخصيص كمن يرفع
_________________
(١) ١ انظر: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة (ص:٢٠) . ٢ انظر: كشف الخفاء للعجلوني (٢/٢٧٠) . ٣ المعجم الأوسط (رقم:٢٤٩٩) . ٤ سنن الترمذي (رقم:٣٥٥٧)، وصححه العلاَّمة الألباني ﵀ في صحيح سنن اللترمذي (رقم:٢٨٢٠) .
[ ٢ / ١٩٦ ]
يديه بعد إقامة الصلاة وقبل تكبيرة الإحرام، وكرفع اليدين عقب السلام من الصلاة المفروضة جماعيًا أو كلٌّ بمفرده، قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: " لَم يصح عن النبي ﷺ أنَّه كان يرفع يديه بعد صلاة الفريضة، ولم يصح ذلك أيضًا عن أصحابه ﵃ فيما نعلم، وما يفعله بعضُ الناس من رفع أيديهم بعد صلاة الفريضة بدعةٌ لا أصل لها "١.
ومِن ذلك أيضًا رفع الأيدي بالدعاء بعد سجود التلاوة، وكذلك رفعهما عند رؤية الهلال ونحو ذلك.
والحاصل أنَّ المواضعَ التي وُجدت في عهد النبي ﷺ ولم يثبت أنَّ النبي ﷺ رفع فيها يديه لا يجوز الرفع فيها؛ لأنَّ فعلَه سنةٌ، وتركَه سنةٌ، وهو ﷺ الأسوةُ الحسنة فيما يأتي ويذر٢، والواجب التقيُّد بما جاء عنه ﷺ وترك ما سوى ذلك.
_________________
(١) ١ مجموع فتاواه (١١/١٨٤) . ٢ انظر: مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (١١/١٧٨ - ١٨٣) .
[ ٢ / ١٩٧ ]