إنَّ من ضوابط الدعاء المهمة وآدابه العظيمة أن يقدِّم المسلم بين يدي دعائه الثناءَ على ربِّه بما هو أهلُه من نعوت الجلال، وصفات العظمة والكمال، وذكر جوده وفضله وكرَمه وعظيم إنعامه، وذلك أنَّه أبلغُ ما يكون في حال السائل والطالب ثناؤُه على ربِّه، وحمدُه له، وتمجيدُه، وذكرُ نعمه وآلائه، وجعل ذلك كلِّه بين يدي مسألته وسيلةً للقبول ومفتاحًا للإجابة.
ومَن يتأمّل الأدعيةَ الواردة في الكتاب والسنة يجد كثيرًا منها مبدوءًا بالثناء على الله وعدِّ نِعمه وآلائه، والاعتراف بفضله وجوده وعطائه، ومن الأمثلة على ذلك الدعاءُ العظيم الذي اشتملت عليه سورة الفاتحة التي هي أعظم سور القرآن الكريم وأجلُّها لاشتمالها على أجلِّ المطالب العالية، وأعلى المقاصد الجليلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" ولهذا كان أنفعُ الدعاء وأعظمُه وأحكمُه دعاءَ الفاتحة ﴿اهْدِنَا الصَّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، فإنَّه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته فلم يصبه شرٌّ لا في الدنيا ولا في الآخرة "١.اهـ
فهذا الدعاءُ العظيم مبدوءٌ بالثناء على الله وحمده وتمجيده، مما هو سببٌ لقبوله، ومفتاحٌ لإجابته، يوضِّح ذلك ويبيِّنُه ما رواه مسلم
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٨/٢١٥ - ٢١٦) .
[ ٢ / ٢٠٣ ]
في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله تعالى: قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله تعالى: مجّدني عبدي، وقال مرّة: فوّض إليّ عبدي، فإذا قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال ﴿اهْدِنَا الصَّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل "١. فعلّم سبحانه عباده في هذه السورةِ العظيمةِ كيف يدعونه ويسألونه ويتوسّلون إليه، قال ابن القيم ﵀: " ولما كان سؤال الله الهدايةَ إلى الصراط المستقيم أجلَّ المطالب ونيلُه أشرفَ المواهب، علّم الله عبادَه كيفيةَ سؤاله، وأمرهم أن يقدِّموا بين يديه حمدَه والثناء عليه وتمجيدَه، ثمَّ ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسلٌ إليه بأسمائه وصفاته وتوسلٌ إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يُردُّ معهما الدعاء إلى أن قال ﵀: وقد جَمعت الفاتحة الوسيلتين، وهما التوسلُ بالحمد والثناء عليه وتمجيده، والتوسلُ إليه بعبوديته وتوحيده، ثمَّ جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيقٌ بالإجابة.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٣٩٥) .
[ ٢ / ٢٠٤ ]
ونظير هذا دعاء النبي ﷺ الذي كان يدعو به إذا قام يصلي من الليل، رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ " اللَّهمَّ لك الحمد أنت نورُ السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمدُ أنت قيُّوم السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت الحقُّ، ووعدُك حقٌّ، ولقاؤُك حقٌّ، والجنّةُ حقٌّ، والنار حقٌّ، والنبيّون حق، والساعةُ حق، ومحمد ﷺ حق، اللَّهمَّ لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنت إلَهي لا إله إلاَّ أنت "١، فذكر التوسل إليه بحمده والثناء عليه وبعبوديته له ثمَّ سأله المغفرة "٢.اهـ.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه لهذا الحديث: " وفيه استحبابُ تقديم الثناء على المسألة عند كلِّ مطلوب اقتداءً به ﷺ "٣.
ومن الأمثلة على ذلك دعاء يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيث فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٤، ودعاء أيوب ﵇، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ
مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَذِكْرَى
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:١١٢٠) . ٢ مدارج السالكين (١/٢٣ - ٢٤) . ٣ فتح الباري (٣/٥) . ٤ سورة يوسف، الآية: (١٠١) .
[ ٢ / ٢٠٥ ]
لِلعَابِدِينَ﴾ ١، ودعاءُ أولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودًا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٢، ودعاءُ الملائكة ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهْمْ عَذَابَ الجَحِيمِ﴾ ٣، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ جدًاّ، يطول عدُّها، فينبغي على المسلم أن يحافظ على هذا الأدب الرفيع عند سؤاله له سبحانه بأن يُثْنِيَ عليه ويَحمده ويمجّده، ويعترف بفضله وإنعامه، ثمَّ يسأله بعد ذلك ما يشاء من خَيْرَي الدنيا والآخرة.
كما ينبغي للمسلم أيضًا بين يدي دعائه أن يصلي على صفيِّ الله وخليله وعبده ورسوله نبيِّنا محمد ﷺ، وقد جاء الحثُّ على ذلك في أحاديث عديدة منها: حديث فَضالة بن عبيد ﵁ قال: " سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو في صلاته فلم يصلِّ على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: عجل هذا، ثمَّ دعاه فقال له ولغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثمَّ ليصلِّ على النبي ﷺ ثمَّ ليدع بعد بما شاء "٤. ولهذا ثلاث مراتب:
أحدها: أن يصلي على النبي ﷺ قبل الدعاء، وبعد حمد الله تعالى.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآيات: (٨٣، ٨٤) . ٢ سورة آل عمران، الآية: (١٩١) . ٣ سورة غافر، الآية: (٧) . ٤ المسند (٦/١٨)، وسنن أبي داود (رقم:١٤٨١)، وسنن الترمذي (رقم:٣٤٧٧)، وصححه العلامة الألباني ﵀ في صحيح الجامع (رقم:٦٤٨) .
[ ٢ / ٢٠٦ ]
والمرتبة الثانية: أن يصلي عليه في أول الدعاء وأوسطه وآخره.
والمرتبة الثالثة: أن يصلي عليه في أوله وآخره ويجعل حاجته متوسطة بينهما. والصلاة على النبي ﷺ للدعاء مثل المفتاح، قال ابن القيم ﵀: " فمفتاح الدعاء الصلاة على النبي ﷺ كما أنَّ مفتاح الصلاة الطهور ".
ثمَّ نقل عن أحمد بن أبي الحوراء قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول " من أراد أن يسأل الله حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ وليسأل حاجته، وليختم بالصلاة على النبي ﷺ، فإنَّ الصلاةَ على النبي ﷺ مقبولةٌ، والله أكرمُ أن يردَّ ما بينهما "١.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص:٢٦٠ - ٢٦٢) .
[ ٢ / ٢٠٧ ]