مِمَّا ينبغي للمسلم تجنُّبُه في دعائه تكلُّفُ السجع في الدعاء، وتكلُّفُ صنعة الكلام له، قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب الدعوات من صحيحه: " بابُ ما يُكره من السجع في الدعاء "، ثمَّ ساق بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: " حَدِّث الناس كلَّ جُمُعة مرّة، فإن أبيتَ فمرّتين، فإن أكثرت فثلاث مرّات، ولا تُملَّ الناس هذا القرآن، ولا ألفينَّك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقصُّ عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملّهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدّثهم وهم يشتهونه، فانظر السَّجعَ من الدعاء فاجتنبه، فإنِّي عهدتُ رسولَ الله ﷺ وأصحابَه لا يفعلون إلاَّ ذلك - يعني لا يفعلون إلاَّ ذلك الاجتناب - "١.
والسَّجعُ هو الكلام المقفّى من غير مراعاة وزن، وتكلّف ذلك في الدعاء أمرٌ مكروهٌ لَم يكن عليه النبي ﷺ، ولا أحدٌ من أصحابه، ولهذا قال ابن عباس ﵄: " فإني عهدتُ رسولَ الله ﷺ وأصحابَه لا يفعلون إلاَّ ذلك الاجتناب "، قال الأزهري ﵀: " وإنَّما كرهه ﷺ لمشاكلته كلام الكهنة، كما في قصة المرأة من هُذيل "٢، يشير إلى ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: " اقتتلت امرأتان من هُذيل فرمَتْ إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٦٣٣٧) . ٢ فتح الباري (١١/١٣٩) .
[ ٢ / ٢٠٨ ]
في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ، فقضى رسول الله ﷺ أنَّ ديةَ جنينها غرَّةٌ: عبدٌ أو وليدةٌ، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها وَلَدَها ومَن معهم، فقال حَمَلُ بنُ النابغة الهُذلي: يا رسول الله كيف أغرمُ من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ؟ فمثلُ ذلك يُطلُّ [أي يُهدر]، فقال رسول الله ﷺ: " إنَّما هذا من إخوان الكهان "١. من أجل سجعه الذي سجع.
ولذا عدَّ بعضُ أهل العلم تكلُّفَ السجع في الدعاء في جملة موانع الإجابة، قال القرطبي ﵀: " ومنها: أن يدعو بما ليس من الكتاب والسنة فيتخيَّر ألفاظًا مفقرة، وكلمات مسجعةً، قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معوَّل عليها، فيجعلها شعارَه، ويترك ما دعا به رسوله ﷺ، وكلُّ هذا يمنع من استجابة الدعاء "٢.
والسجعُ المذمومُ هو المتكلَّف الذي يجتهد صاحبُه في تصنعه، فيشغله ذلك عن الإخلاص والخشوع، ويُلهيه عن الضراعة والافتقار، فأمَّا إن وُجد وحصل بلا تصنُّع ولا تكلُّف ومِن غير قصدٍ إليه فلا بأس به.
قال السفاريني ﵀: " ولا يتكلَّف السجع في الدعاء، فإنَّه يُشغل القلبَ ويُذهب الخشوعَ، وإن دعا بدعوات محفوظة معه له أو لغيره من غير تكلُّف سجع فليس بممنوع "٣.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:١٦٨١) . ٢ الجامع لأحكام القرآن (٧/٢٦٦) . ٣ غذاء الألباب (١/٤٠٩) .
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث ابن عباس المتقدِّم في ذمِّ السجع في الدعاء: " ولا يَرِد على ذلك ما وقع في الأحاديث الصحيحة؛ لأنَّ ذلك كان يصدر من غير قصدٍ إليه؛ ولأجل هذا يجيء في غاية الانسجام، كقوله ﷺ في الجهاد: " اللَّهمَّ مُنزلَ الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب "١، وكقوله ﷺ: " صدق وعده وأعزَّ جندَه "، الحديث٢، وكقوله: " أعوذ بك من عَين لا تدمع، ونفسٍ لا تشبع، وقلب لا يخشع "٣، وكلُّها صحيحة "٤.
وينبغي للداعي أن يتجنَّب اللَّحنَ في الدعاء، ولا سيما إذا كان اللَّحنُ مُحِيلًا للمعنى، مُخِلًاّ بالمقصود، مفسدًا للمراد، فإنَّ الإعرابَ عمادُ الكلام، وبه يستقيم المعنى، وبعدمِه يختلُّ ويفسد، وربَّما انقلب المعنى باللَّحنِ إلى معنى باطل أو دعاء محرَّم أو نحو ذلك.
ولهذا قال أبو عثمان المازني لبعض تلاميذه: " عليك بالنحوِ، فإنَّ بني إسرائيل كفرت بحرف ثقيلٍ خفَّفوه، قال الله ﷿ لعيسى: إنِّي ولَّدتُكَ "، فقالوا: إنِّي وَلَدتُك "، فكفروا ".
ويُذكر عن الأصمعيِّ: أنَّه مرَّ برجل يقول في دعائه: يا ذو الجلال والإكرام، فقال له: ما اسمك؟ قال ليث، فأنشأ يقول:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٢٩٣٣، ٢٩٦٦)، وصحيح مسلم (رقم:١٧٤٢) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٢٩٣٣، ٢٩٦٦)، وصحيح مسلم (رقم:١٧٤٢) . ٣ صحيح مسلم (رقم:٢٧٢٢) بلفظ مقارب. ٤ فتح الباري (١١/١٣٩) .
[ ٢ / ٢١٠ ]
يُنادي ربَّه باللَّحن ليثُ لذاك إذا دعاه لا يُجيبُ١.
ولهذا ينبغي على الداعي تجنُّبُ اللَّحنِ في الدعاء إن كان مستطيعًا لذلك قادرًا عليه، وإلاَّ فإنَّ اللهَ جلَّ وعلاَ لا يُكلِّف نفسًا إلاَّ وُسعها.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن رجل دعا دعاء ملحونًا فقال له رجل: ما يقبل الله دعاءً ملحونًا؟
فأجاب ﵀ بما نصُّه: " مَن قال هذا القول فهو آثمٌ مخالفٌ للكتاب والسنة، ولما كان عليه السلف، وأمَّا مَن دعا اللهَ مخلصًا له الدين بدعاء جائز سمعه الله وأجاب دعاءَه سواء كان مُعربًا أو ملحونًا، والكلام المذكور لا أصل له، بل ينبغي للداعي إذا لَم تكن عادتُه الإعرابَ أن لا يتكلَّف الإعرابَ، قال بعضُ السلف: إذا جاء الإعرابُ ذهب الخشوعُ، وهذا كما يُكره تكلُّف السجع في الدعاء، فإذا وقع بغير تكلُّف فلا بأس به، فإنَّ أصلَ الدعاء من القلب، واللسان تابعٌ للقلب.
ومَن جعل همَّتَه في الدعاء تقويمَ لسانِه أضعفَ توجه قلبه، ولهذا يدعو المضطرُّ بقلبِه دعاءً يُفتح عليه لا يحضره من قبل ذلك، وهذا أمرٌ يَجده كلُّ مؤمن في قلبه، والدعاءُ يجوز بالعربية، وبغير العربية، والله سبحانه يعلم قصدَ الداعي ومرادَه، وإن لَم يُقوِّم لسانه فإنَّه يعلم ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تنوُّع الحاجات "٢.
_________________
(١) ١ انظر: شأن الدعاء للخطابي (١٩ - ٢٠) . ٢ مجموع الفتاوى (٢٢/٤٨٨ - ٤٨٩) .
[ ٢ / ٢١١ ]
ولا يجوز للمسلم أن يتحرَّى في دعائه أنغامًا معيَّنة أو تكلُّفات في الأداء مِن خفض ورفع أو تطريب أو ترجيع أو نحو ذلك، مما يُسمِّيه البعض في زماننا ابتهالات ويجعل له أداءً معيَّنًا شبيهًا بالتغنِّي، فمِثل هذا لا يجوز؛ لأنَّ مقامَ الدعاء مقامُ طلبٍ وإظهارِ حاجة وخشوع وتضرُّعٍ إلى الله، وليس مقامَ تغنٍ، وهو مقامُ خضوع وعبوديةٍ، وليس مقامَ إظهارٍ للصناعة النغمية، وهو مقامُ ذُلٍّ وخضوعٍ وإيمان، وليس مقامَ شغلٍ للخواطر بتنميق الأداء وإقامة الأوزان، والله وحده الهادي والموفِّق، وهو وحده المستعان.
[ ٢ / ٢١٢ ]