وربما تحدث ﵊ بالشيء للحاجة كما روينا في صحيح البخاري تحت باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، من طريق عوف حدثنا أبو رجاء، حدثنا سمرة بن جندب - ﵁ - قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا» قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِي انْطَلِقْ .. (١) «الحديث ..
ويسن أن يشتغل بالذكر بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس؛ لما روينا في صحيح مسلم من طريق سماك بن حرب، قال: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ - أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا، «كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ - ﷺ -» (٢).
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٠٧٤).
(٢) صحيح مسلم (٢٣٢٢).
[ ٥٥ ]
وقد كان - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه، قال في المرقاة: عن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ «أي: الصبح» حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ «أي: طلوعًا حسنًا كما سبق» فَإِنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ «أي: لصلاة الإشراق، وهو مبدأ صلاة الضحى، أو معناه قام للانصراف، قال النووي: فيه استحباب الذكر بعد الصبح، وملازمته مجلسها ما لم يكن عذر، قال القاضي عياض: وكان السلف يواظبون على هذه السنة، ويقتصرون في ذلك على الذكر والدعاء حتى تطلع الشمس.» وَكَانُوا «أي: أصحابه» يَتَحَدَّثُونَ «أي: فيما بين الوقتين، وهو الأظهر، أو في غيره أو مطلقًا غير مقيد بوقت دون وقت» فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ «أي: على سبيل المذمة، أو بطريق الحكاية لما فيها من فائدة وغيره، من جملته أنه قال واحد: ما نفع أحدًا صنمُه مثل ما نفعني، قالوا: كيف هذا؟ قال: صنعته من الحيس، فجاء القحط، فكنت آكله يوما فيوما، وقال آخر: رأيت ثعلبين جاءا وصعدا فوق رأس صنم لي وبالا عليه فقلت: أرب يبول الثعلبان برأسه فجئتك يا رسول الله! وأسلمت.» فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ - ﷺ -». رواه مسلم. وفي رواية للترمذي: «يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ «أي: يقرأونه، أو يطلب بعضهم من بعض قراءته.
[ ٥٦ ]
في الشمائل: عن جابر بن سمرة، قال: «جَالَسْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ وَيَتَذَاكَرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ سَاكِتٌ وَرُبَّمَا تَبَسَّمَ مَعَهُمْ» ومن المعلوم أن في مجلسه الشريف لا يتناشد إلا الشعر المنيف المشتمل على التوحيد والترغيب والترهيب، وقد كان - ﷺ - يتمثل بشعر ابن رواحة (١)، يقول:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقد قال - ﷺ - وهو الصادق المصدوق: «إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل»
أي: من نعيم الدنيا لقوله بعد ذلك:
نعيمك في الدنيا غرور وحسرة وعيشك في الدنيا محال وباطل (٢)
ا. هـ.
_________________
(١) البيت للبيد بن الأعصم، وليس من شعر ابن رواحة.
(٢) مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٩٩٣).
[ ٥٧ ]
وقد قال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: «أن عائشة كانت إذا طلعت الشمس نامت نومة الضحى» (١).
قال الذهبي في سيره: قال الوليد بن مسلم: «رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه، يذكر الله، حتى تطلع الشمس، ويخبرنا عن السلف: أن ذلك كان هديهم، فإذا طلعت الشمس، قام بعضهم إلى بعض، فأفاضوا في ذكر الله، والتفقه في دينه» (٢).ا. هـ.
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٢٥٤٥١)
(٢) سير أعلام النبلاء (٧/ ١١٤).
[ ٥٨ ]
فصل