وأما الإجماع فلا شكّ ولا ريب في اتفاق جميع الأمة على تحريم الغيبة ولم يسمع عن أحد الترخيص فيها، لكنهم استثنوا صورًا ذكرها النووي في شرح مسلم، وهي ستة أسباب: الأول: الاستعانة على تغيير المنكر.
الثاني: جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين والمشاورة والنصيحة.
الثالث: التعريف.
الرابع: الاستفتاء.
الخامس: المظلوم. قال النووي: فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان أو القاضي أو غيرهما ممن له ولاية وقدرة على إنصافه من ظالمه ويقول: فعل بي فلان أو ظلمني.
السادس: المجاهر بفسقه وبدعته. قال: ويجوز ذكره بما تجاهر به ولا يجوز بغيره إلا سبب آخر، انتهى منه مختصرًا إذا عرفت هذا.
[ ٤٢ ]
فأما الأول وهو الاستعانة على إزالة المنكر، وذلك عمود من أعمدة الدين وواجب من واجباته، فإذا كان يعلم أن يظن المغتاب قدرة المخاطب، فإخباره واجب، فترجح أدلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على أدلة تحريم الغيبة.
وأما الثاني وهو جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين فهو أيضًا واجب بالإجماع لحفظ الشريعة وأموال العباد. وأما المشاورة فقد ورد شرعيتها وورد أن الدين النصيحة، ولكن يكفي في ذلك أن يقول لمن يستشيره: هذا لا يحسن، لا أشير عليك بفلان، من غير أن يعدد مثالبه ومعايبه.
وأما الثالث وهو التعريف باللقب، فقد نهى الله عنه في كتابه العزيز فقال: (وَلاَتَنَابَزُوا بالألْقَابِ) ولكن قال كثير من العلماء بجوازه لمن لا يعرف إلا به لم يقصد انتقاصه.
وأما الرابع وهو الاستفتاء فقد استدلوا على ذلك بقول امرأة أبي سفيان للنبي ﵌: إن أبا سفيان رجل شحيح.. الحديث والأولى الإجمال في ذلك فيقول: ما يقول المفتي في رجل كذا ونحوه.
[ ٤٣ ]
وأما الخامس والسادس وهو الظالم والفاسق فاعلم أن هذين القسمين قد ترخص كثير من الناس في ثلب أعراضهم، وقضوا بها مجامعهم، ولم يعلموا أنهما ممن شملهما الإسلام وأن الحسنات لهم والسيئات عليهم، وليتهم اقتصروا على مجرد وصف الظالم بظلمه والفاسق بفسقه، لكنهم جاوزوا ذلك. وظنوا أن أعراضهم قد أبيحت على الإطلاق. وسأذكر لك ما استدلوا به على حل أعراضهم، وأذكر ما قاله بعض أئمة التفسير وشرح الحديث ليعلم حرمة عرض المسلم وعدم مطابقته دليلًا على استحلال عرضه ورميه بكل رذيلة مما فيه وما لم يكن فيه، فقالوا في الظالم قوله تعالى: (لاَ يُحبُّ اللهُ الجَهْرَ بالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ) .
وقوله ﵌ (لي الواجد ظلم ظلم يُحل عرضه وعقوبته)، فأقول: قال الزمخشري ما لفظه (إلا جهر من ظلم استثني من الجهر الذي لا يحبه
[ ٤٤ ]
الله جهر المظلوم وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء. وقيل: هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم، ولمن انتصر بعد ظلمه وقيل: ضاف رجل قومًا فلم يطعموه فعوتب على الشكاية فنزلت: وقرئ (إلاَّ مَنْ ظَلَم) على البناء للفاعل للانقطاع، أي: ولكن الظالم راكب ما لا يحبه الله فيجهر بالسوء، ويجوز أن يكون من ظلم مرفوعًا، كأنه قيل: لا يحب الله الجهر بالسوء إلا الظالم على لغة من يقول: ما جاءني زيد إلا عمرو، بمعنى ما جاءني إلا عمرو. ومنه (لاَ يَعْلَمُ مَن فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللهُ) ثم حث على العفو وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار إلى آخر كلامه.
وقال البيضاوي: إلا جهر من ظلم بالدعاء على الظالم والتظلم منه، وذكر قصة النزول والقراءة بالبناء للفاعل. وقال في الفتح: واختلف أهل العلم في كيفية الجهر بالسوء من القول الذي يجوز لمن ظلم فقيل: هو
[ ٤٥ ]
أن يدعو على من ظلمه، وقيل: لا بأس بأن يجهر بالسوء من القول بأن يقول: فلان ظلمني أو: هو ظالم، أو نحو ذلك. وقيل: معناه. إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول من كفر ونحوه فهو مباح له، والآية على هذا في الإكراه، وكذا قال قطرب قال: ويجوز أن يكون على البدل، كأنه قال: لا يحب الله إلا من ظلم، أي: لا يحب الظالم بل يحب المظلوم، ثم قال: والظاهر من الآية: أنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم الكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه، ويؤيد الحديث الثابت في الصحيح بلفظ (ليُّ الواجد ظلم يُحل عرضه وعقوبته) . وأما على القراءة الثانية فالاستثناء منقطع أي: إلا من ظلم في قول أو فعل فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له. وقال قوم: معنى الكلام لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلمًا وعدوانًا، وهو ظالم في ذلك. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم فقال سوءًا فإنه ينبغي أن
[ ٤٦ ]
تأخذوا على يديه، ويكون استثناء ليس من الأول. انتهى.
وقال العلامة المقبلي في إتحافه: إلا: مستثنى منقطع لما يلزم في المتصل من كونه محبوبًا لله، ولا يكون محبوبًا بحال نظير ما يقول: إن الميتة والدم نجسان محرمان إنما عفى للمضطر تناولهما قال: ونظير هذه الآية قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) ولذا رغبهم في العفو فيهما، فهما مكروهان عنده لا مطلوبان محبوبان. انتهى.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في تفسير الآية قال: لا يحب الله أن يدعو أحدٌ على أحد إلا أن يكون مظلومًا، فإنه رّخص له أن يدعو على من ظلمه وإن يصبر فهو خيرٌ له. انتهى.
[ ٤٧ ]
فهذا كلام المفسرين لم يكن فيه إباحة لعرض الظالم بل أولوه بالدّعاء والإكراه، أو بأنه الظالم لا المظلوم، أو التشكي والتظلم وغير ذلك. وإذا احتاجوا إلى هذه التأويلات لما عرفت من عظم ذنب الغيبة. وهذا حبر الامة ابن عباس فسره بالدعاء، فلم يبق دليل في الآية على المطلوب، إلا أن يكون وصفه بالظلم أو التشكي عند من يرجى نفعه، وهذا لا بأس به لدخوله في صورة الإعانة على إزالة المنكر، فانظر أيها المظلوم المحروم كيف جمعت على نفسك ظلم الظالم لها وظلمك لها بتفويتها الأجر والانتصار الدنيوي والأخروي بكلام لا يعود عليك نفعه ولا يضر ظالمك، بل قد فاز باللذة العاجلة، وشفى غليله بظلم يديك وانتفع بما أخذ عليك، وأنت اقتضيت بما لا يغني ولا يشفي وصرت كما قيل شعرًا:
وَتَرَكْت حَظَّ النَّفْسِ فِي الدُّنْيَا وَفِي ال أُخْرَى عَنِ الجَمِيعِ بمَعْزل
وقد تكون أعظم جرمًا منه، لأنه يعفى عنك بقدر ظلامتك (فإذا انتصرت صار) إصرًا على عنقك. هذا إن كنت مظلومًا، وإن لم تضاعف أجوره بما كسبت من الحسنات ووضع عليك وزر بعض تلك الظلامات، كما قال ﵌: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة
[ ٤٨ ]
وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وسفك دم هذا، وأكل مال هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم وطرحت عليه ثم طرح في النار) .
وروى البخاري والترمذي عن أبي هريرة عنه ﵌ قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم من قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم، إن كان له عملٌ صالحٌ أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) .
[ ٤٩ ]
وروى أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: (اتقوا الظلم ما استطعتم، فإن العبد يجيء بالحسنات يوم القيامة يرى أنها ستنجيه، فما يزال عبدٌ يقول يا رب ظلمني عبدك مظلمة فيقول: امحوا من حسناته، ما يزال كذلك حتى ما يبقى له حسنة من الذنوب) .
وروى البيهقي عن جماعة من الصحابة نحو هذا.
واعلم أن الظلم في الأعراض قد يكون أشد منه في الأموال عند كل نفس حرة كما قال:
يَهُونُ عَلَيْنَا أَنْ تُصَابَ جُسومُنا وَتَسْلَمَ أَعْرَاضٌ لَنَا وَعُقُولُ
فإن قلت: بقيت أدلة أخرى للمظلوم وهي جواز المعاقبة والانتصار كما في قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سيّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها)، (فَمَنِ اعْتَدَى
[ ٥٠ ]
عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ)، (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ) وغير ذلك. قلت: نعم لكن أين المماثلة التي أخذها الله على المنتصر؟ فليس هذا من معاملة السيئة بمثلها، ولا الاعتداء بمثله، إلا أن يكون اغتابك فقلت مثل قوله فهذا اعتداء مماثل، وسيئة مماثلة، مع أن ترك الانتصار جميعه هو الأولى والأحسن، ويكفيك ما أتبعه الله تعالى من ذكر العفو والصفح جميع الآيات المذكورة. انظر إلى حديث أبي بكر، وهو ما أخرجه أحمد وأبو داود بلفظ: (إن رجلًا شتم أبا بكر، والنبي ﵌ جالسٌ، فجعل النبي ﵌ يعجب ويبتسم، فلما أكثر عليه رد، ﵁، بعض قوله، فغضب النبي ﵌ فقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله، إنه كان شتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، فقال: إنه كان ملكٌ يرد عليك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان) .
[ ٥١ ]
وعن ابن عمر مرفوعًا: (إذا سبك رجل ما يعلم منك فلا تسبه بما تعلم منه فيكون أجر ذلك لك ووباله عليه) .
وقد ذكر ابن السبكي في الطبقات أن مذهب الشافعي أن ترك التحليل أولى لأنه قد يحتاج اليه في الآخرة. كما تقدم في الحديث أنها يؤخذ من حسنات الظالم أو تطرح عليه سيئات المظلوم؛ وذكر أن مذهب غيره أن التحليل أفضل. وفرق مالك بين الظلامات والتبعات فتحلل من الأول وتترك في الأخرى، وهذا التعليل الذي ذكره الشافعي عليك لأن الجزاء من الله على العفو أجل وأعظم من الاصل، إذ الحسنة بعشرة أمثالها. أخرج الحاكم والخرائطي عن أنس مرفوعًا قال: (رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله
[ ٥٢ ]
تعالى: كيف نصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيءٌ؟ قال: يا رب ليحمل من أوزاري، إن ذلك ليومٌ عظيم يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله بعد للطالب: ارفع بصرك فانظر، فرفع رأسه فقال يا رب أرى مدائن من ذهبٍ وقصورًا من ذهب مكللةً باللؤلؤ لأي نبي هذا؟ أو لأي صديق هذا؟ أو لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمنن أعطي الثمن. قال: يا رب ومن يملك ثمن ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك فأدخله الجنة) .
وكذلك الدعاء كان تركه في حق المظلوم أولى مع ما أرشدنا الله تعالى إلى التضرع إليه والدعاء له فقال: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. إِنّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) وقال: (وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ)، وقال: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطر إذَا دَعَاهُ) .
[ ٥٣ ]
وقال: (وَإذَا سَأَلَكَ عِبَادي عَنِّي فَإِنِّي قرِيبٌ) وورد عن النبي ﵌ في ذلك ما يطول البحث بذكر بعضه فمنه: (أن الله يغضب على من ترك دعاءه) و(أنّ الله يستحي إذا رفع العبدُ يديه أن يدرهما، وأنه مُخّ العبادة)، وأنه (دافِعٌ
[ ٥٤ ]
للقضاء)، وغير ذلك، وإنما كان أولى ليتوفر الجزاء من الله، والتعجيل بالنصر يكون فيه شائبة انتصار، فأخرج الترمذي وابن أبي شيبة عن عائشة عن النبي ﵌ قال: (من دعا على من ظلمه فقد انتصر) .
وأخرج أبو داود عن عائشة أنه لما سرق عليها شيئًا فدعت عليه، فقال النبي ﵌: (لا تبخي عليه) . قال في النهاية: معنى تبخي: تخففي.
فإن قلت: كيف الجمع بين هذين الحديثين وبين قوله ﵌ لمعاذ: (اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ؟.
[ ٥٥ ]
قلت: لا معارضة بينهما؛ لأن الحديثين فيما هو الأولى والأحسن، وأما إنه لا يجاب دعاء المظلوم فلا، وأما قوله ﵌: (ليّ الواجد ظلمٌ) فالحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه باللفظ المتقدم فأقول: قال ابن تيمية في المنتقى ما لفظه: قال أحمد قال وكيع: عرضه شكايته وعقوبته حبسه. وقال في النهاية أي لصاحب الدين أن يذمه ويصفه بسوء القضاء. وقيل: يجوز وصفه بكونه ظالمًا. فهذا تفسير الحديث، ولم يقل أحد يجوز ثلب عرضه وذكره بما فيه، وما لم يكن فيه وإبداء معايبه، وهذه أدلة المحورين لغيبة الظالم.
وأما الفاسق فاستدلوا بما أخرجه البيهقي والخطيب والديلمي وابن
[ ٥٦ ]
عساكر عن أنس عن النبي ﵌ قال: (من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له) .
قال البيهقي: ضعيف، وروى البيهقي ايضا والطبراني من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (ليس للفاس غيبة قال البيهقي: ضعيف. وروى أيضًا من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﵌ قال: (أترغبون عن ذكر الفاجر، اذكروه بما فيه كي يحذره الناس) قال البيهقي: ضعيف، وقال في حديث بهز: هذا ليس بشيء؛ وقال أحمد: حديث منكر، وقال ابن عدي: لا أصل له، قال: وكل من روى هذا الحديث فهو ضعيف. وقال الدارقطني في علله: هو من وضع الجارود ثم سرقه منه جمع، وفي الميزان أن الجارود كذاب، وفي الجامع الكبير للسيوطي أن الجارود تفرد به، وأن أبا حاتم وأبا أسامة
[ ٥٧ ]
كذباه. فهذا ما استدلوا به في الفاسق وما أحقه عند تلك الزواجر العظام بقوله: (تنكّب لا يقطرك الزحام) .
هذا واسم الإسلام باق عليه، فحسناته له وسيئاته عليه، وإن سلمنا صلاحية هذه الأحاديث للتخصيص فيكون لأحد الأسباب المتقدمة من النهي عن المنكر أو المشورة أو الجرح، وأما لمجرد فسقه فذنبه متعلق به، وأجور المغتاب لعلها قد زبرت في صحائف أعماله وخففت عنه بعض تلك الفعال مع أنه ﵌ قد نهى عن سب شارب الخمر بعد أن حدّه وقال: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم أما إنه يُحب الله ورسوله) . رواه البخاري. فما كان أولى من المحدود في شرب الخمر؟ فإن قيل فقد قال ﷺ في عيينة بن حصن: (بئس ابن العشيرة) فلما دخل آلان له القول،
[ ٥٨ ]
فالجواب أن ذلك قبل إسلامه أو كان أظهر الإسلام وأبطن الكفر، ولهذا ارتد مع المرتدين فعلم منه ﵌ على أصحابه لما ذكروا المنافقين وأسندوا معظم مقالهم إلى مالك بن الدخشتم فقال ﵌: (أليس شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله الحديث) .
فما هذه الحيلة الشيطانية سهلة في اللسان جالبة للخسران وسائقة إلى النيران، وما أحسن ما قاله النووي في شرح مسلم عند قوله ﵌: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره،
[ ٥٩ ]
ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) .
قال: وأما قوله ﵌: (فليقل خيرًا أو ليصمت) . فمعناه أنه إذا أراد أن يتكلم فإن كان، ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه، واجبًا كان أو مندوبًا فليتكلم، فإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح، مستوى الطرفين. فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه، مندوبًا إلى الإمساك عنه مخافة من انجراره إلى المحرم والمكروه وهذا يقع في العادة كثيرًا غالبًا، وقد قال تعالى: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ثم قال: وقال الشافعي: إذا أراد أن يتكلم فليفكر، فإن ظهر له فيه ضرر أو شك فيه أمسك. قال: وقال إمام المالكية عبد الله بن أبي زيد جميع آداب الخير تتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي ﵌: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو
[ ٦٠ ]
ليصمت) وقوله ﵌ للذي اختصر: لا تغضب وقوله ﵌: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) انتهى كلام النووي.
وروى مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) .
[ ٦١ ]
وروى الترمذي عن أنس: (أن رجلًا توفى على عهد رسول الله ﵌ فقال رجل آخر: أبشر بالجنة، فقال رسول الله ﵌: وما يدريك لعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا يغنيه) .
وروى الحاكم أن نساء اجتمعن عند عائشة فقالت امرأة منهن: والله لا يعذبني الله أبدًا إنما بايعت رسول الله ﵌ على أن لا أشرك بالله شيئًا ولا أسرق ولا أزني ولا أقتل ولدي ولا آتي ببهتانٍ بين يدي، ورجلي، ولا أعصينّه في معروفٍ، وقد وفيت. فأتيت في منامها فقيل لها: أنت المتأّلية على الله فكيف بقولك ما لا يعنيك ومنعك ما لا يُغنيك؟.
وفي البخاري عن أنس قال: (إنكم لتعملون أعمالًا هي في أعينكم أدقّ من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﵌ من الموبقات) .
وروى الترمذي وابن ماجه عن أم حبيبة قالت قال رسول الله ﵌:
[ ٦٢ ]
(كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا أمرًا بمعروفٍ أو نهيًا عن منكر أو ذكرًا لله ﷿) .
قال سفيان الثوري: هذا في كتاب الله: (لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقةٍ أَو مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاس) . وعن أبي هريرة، عنه ﷺ: (أكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة أكثرهم كلامًا فيما لا يعنيه) .
رواه ابن لال وابن النجار، ورواه أحمد عن سلمان موقوفًا.
اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وفرطات ألسنتنا وأعوذ بك أن أكون من الذين يقولون ما لا يفعلون.
[ ٦٣ ]
أخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر قال: أو بلغت ذلك؟ قال: أرجو. قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل. قال: وما هنَّ؟ قال: قوله ﷿: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبَّر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) أحكمت هذه الآية قال: لا، قال: فالحرف الثاني: قال قوله تعالى: (لِمَ تَقولونَ ما لا تَفْعَلونَ) أحكمت هذه قال لا قال فالحرف الثالث قال قوله تعالى: (مَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْه) أحكمت هذه؟ قال: لا قال: فابدأ بنفسك.
ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله:
وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى وريح الخطايا من ثنائك تسطع
[ ٦٤ ]
ولله در أبي الأسود
لا تَنْه عن خُلُقٍ وتأتي مِثلْه عارٌ عليك إذا فَعَلْتَ عظيمُ
وَابدأ بنفسك فَانْهَهَا عن غِيِّها فَإذا انتهت عنه فَأَنْتَ حكيمُ
اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وتولني بلطفك، وأدخلني في رحمتك التي وسعت كل شيء يا أرحم الراحمين، وصل وسلم على رسولك الأمين وآله وصحبه الأكرمين. آمين
[ ٦٥ ]