المرهم الشافي للداء الخافي
[ ٦٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد العالم بخفيات الامور، المطلع على ما تُكِنّه الصدور. وأصلّي وأسلّم على الشفيع يوم النشور، وعلى آله وصحبه الماحين بسيوفهم ديجور الضلال والفجور.
وبعد: فإني لما فكرت في الامور الباطنة وضعف قيامي بها رأيت أن أذكر شيئًا منها، وأتبعها بدلائلها في الحث على مأمورها، والزجر عن منهيّها. عسى أن أكف بعض جموح فؤادي، أو أشد به محلول قيادي.
واعلم أنك إذا فكرت في هذا النوع الإنساني وجدت غالب مصائب دينه من المعاصي الباطنة، ووجدت المعاصي الظاهرة بالنسبة إليها أقل خطرًا وأيسر شرًا، لأنه قد منع عنها الدين، أو يمنع عنها الحياء وحفظ المروءة؛ وأما البلايا الباطنة فهي إذا لم يزع صاحبها وازعُ الدين ويجاهد نفسه كل حين لم يقلع عنها لعدم الاطلاع عليها، مع أن التكليف بها شديد، والوعيد عليها عتيد، فهي من أعظم فرائض الله على العباد، وأثقلها حملًا يوم يقوم الأشهاد، تذهب الأعمال الظاهرة إن لم يعكس النفس الأمارة، ولهذا يقول خير البشر ﵌:
[ ٦٩ ]
(إن الله لا ينظر إلى جسدكم ولا إلى صوركم، لكن ينظر إلى قلوبكم) .
وقال: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلُحت صلح الجسد، ألا وهي القلب) .
وهما في الصحيح.
وروى الترمذي عن ابن عمر، ﵁ قال: قال الله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًَا أَلْسِنَتُهُمْ أحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبرِ فَبي حَلَفْتُ لأَ؟ تِيحَنَّهُم فِتْنَةً تَدَعُ الْحَليمَ مِنْهُمْ حَيْرانَ، فَبي يَغْتّرونَ، أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونْ؟)؛ وقيل في تفسير قوله تعالى: (وَذَرُوا ظاهِرَ الإِثْمِ وَباطِنَهُ)، وقوله: (وَلا تَقْرَبوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما
[ ٧٠ ]