وأما الصبر فهو في اللغة نقيض الجزع؛ وقال الشريف في التعريفات: هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله إلى الله. انتهى. وهو ضروري وغير ضروري قال الشاعر:
[ ٨٦ ]
أرى الصَّبْرُ مَحْمُودًا وَعَنْهُ مَذاهِبٌفَكَيْفَ إِذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْهُ مَذْهَبُ
هُناكَ يَحقُّ الصَّبْرُ وَالصَّبْرُ وَاجِبٌ وَمَا كانَ مِنهُ لِلضَّرورَةِ أَوْجَبُ
واعلم أن الصبر في كتاب الله تعالى مذكور في مواضع كثيرة فوق السبعين لو لم يكن منها غلا قوله تعالى: (وَاسْتَعينوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلى الخاشِعينَ)، وقوله (يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنوا اسْتَعينوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرينَ) وقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوالِ وَالأَنْفُسِ والثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الّذِينَ إّذا أَصابَتْهُمْ مُصيبَةٌ قالوا إنّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَّبِّهمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدونَ)، وقال بعد ذلك: (وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ) إلى قوله: (وَالصَّابِرينَ في البَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقوا وأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقونَ) وقوله تعالى: (إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) وقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصَّالِحَاتِ
[ ٨٧ ]
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتها الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ العامِلينَ الَّذين صَبَروا وَعَلى رَبِّهمْ يَتَوَكَّلونَ) وقوله بعد (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذينَ جَاهَدوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرينَ) .
وعن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: قال رسول الله ﵌: (من يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يصبر يصبّرهُ الله وما أُعطي أحدٌ من عطاءٍ خيرٌ وأوسعُ من الصبر) .
رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عباس، ﵄، عنه ﵌: (تعّرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) .
الحديث، وفيه:
[ ٨٨ ]
(قد جف القلم عما هو كائن، فلو أن قلوب الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيءٍ لم يقضه اللهُ لك لم يقدروا عليه أو أرادوا أن يضروك بشيءٍ لم يقضه الله عليك لم يقدروا عليه. واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. واعلم ان النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا) .
رواه أحمد والطبراني.
وعن صهيب ﵁ قال: قال النبي ﵌: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاءٌ شكر وكان له خيرٌ، وإن أصابته ضرّاء صبر وكان له خيرٌ) . رواه أحمد ومسلم.
[ ٨٩ ]
وعن أبي ذر قال قال رسول الله ﵌: (إن الله يحب الرجل له الجار السوء يؤذيه فيصبر على أذاه، ويحتسبهُ حتى يكفيه الله بحياةٍ أو موتٍ) .
رواه الخطيب وابن عساكر.
وعن المقداد عنه ﵌: (إن السعيد لمن جنّب الفتن ومن ابتلي فصبر) .
رواه أبو داود.
وعن معقل بن يسار مرفوعًا بلفظ: (أفضل الإيمان الصبر والسماحة) رواه الديلمي في مسند الفردوس.
وعن أبي الدرداء عن النبي ﵌: (قال الله تعالى لعيسى: يا عيسى إني باعثٌ من بعدك أُمَّهَ إن أصابهم ما يحبّون حمدوا، وإن أصابَهم ما يكرهون
[ ٩٠ ]
صبروا واحتسبوا ولا حلم ولا علم، فقال: يا ربِّ كيف يكون هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي) .
رواه الطبراني والحاكم والبيهقي.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(ما من مسلم تصيبه مصيبةٌ فيقول ما أمَرَهُ الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهمَّ أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا مها. قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خيرٌ من أبي سلمةَ؟ أول بيتٍ هاجر إلى رسول الله ﵌. ثُمّ إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ) .
رواه مسلم.
[ ٩١ ]
وعن ابن عباس ﵁ أن امرأة سوداء أتت النبي ﵌ فقالت: (إني أُصرعُ وإني أتكشف فادعُ الله لي، فقال: إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، وإن شئت دعوتُ الله أن يعافيك، قالتْ: أصبرُ. قالت؛ إني أتكشف فادعُ الله لي أن لا أتكشف فدعا لها) .
رواه مسلم وغيره.
وعن أنس مرفوعًا بلفظ: (ثلاثٌ من كنوز الجنة: إخفاء الصدقة، وكتمان المصيبة وكتمان الشكوى. يقول الله: إذا ابتليتُ عبدي فصبر ولم يشكني إلى عُوّاده أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه ودمًا خيرًا من دمهِ فإنْ أبرأته أبرأتهُ ولا ذنبَ له، وإن توفيته فإلى رحمتي) .
رواه الطبراني وأبو نعيم.
[ ٩٢ ]
وعن غيره، عنه ﵌: (من ابْتُلي فصبرَ، وأُعطي فشكر، وظلم فعفا، وظلمَ فاستغفر أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) رواه أحمد ومسلم.
وعن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: (أربعٌ من أعطيهنّ فقد أُعطي خير الدنيا والآخرة: لسانٌ ذاكر، وقلبٌ شاكر، وبدنٌ على البلاء صابرٌ، وزوجةٌ لا تبغيه خونًا في نفسها ولا مالهِ) .
رواه الطبراني والبيهقي في الشعب.
وعن أبي مالك الأشعري، عنه ﵌: (إسباغ الوضوء شطرُ الإيمان، والحمدُ لله تملأُ الميزان، والتكبير يملأُ السمواتِ والأرض، والصلاة نورٌ، والزكاةُ
[ ٩٣ ]
بُرهان، والصبرُ ضياءٌ، والقرآنُ حجّةٌ لك أو عليك) .
رواه أحمد والنسائي وابن حبان.
وعن ابن عمر ﵄ قال: (لما نزلت: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقونَ أَمْوَالَهُمْ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ) الآية.. قال رسول الله ﵌: رب زد أمتي فنزلت: (مَنْ ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثيرَةً) قال: رب زد أمتي فنزلت: (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ» .
رواه ابن منذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه وابن مردويه والبيهقي في الشعب.
[ ٩٤ ]