فهي في اللغة: الرضا بالقسم، فمن رضي بما قسم له فقد قنع؛ لأن من تيقن أن ذلك بتقدير الخالق الرازق، وأن ليس في قدره فعند الزيادة عليه طاب عيشه وزال همه وكان كما قيل.
[ ١١٥ ]
أَمْطِري لُؤلُؤًا جِبالَ سَرَنْدي بَ وفيضي آبارَ تَكْرورَ تِبْرا
أَنا إنْ عِشْتُ لَسْتُ أَعْدَمُ قوتًا وَإذا مِتُّ لَسْتُ أَعُدَمُ قَبْرا
وما أحسن ما قاله بعض السلف: ثلاث آيات غنيت بهن عن جميع الخلائق الأولى: (وَما مِنْ داَّبةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلى اللهِ رِزْقُهَا) .
الثانية: (ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها) .
الثالثة: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إَلاَّ هُوَ) .
وعند عبد الله بن عمر مرفوعًا بلفظ: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا، وقنّعهُ الله بما آتاه) .
رواه مسلم والترمذي.
وعن فضالة بن عبيد أنه سمع النبي ﵌ يقول: (طوبى لمن هُدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا وقنع) .
رواه الترمذي والحاكم وصححاه.
[ ١١٦ ]
وعن حكيم بن حزام مرفوعًا بلفظ: (اليد العليا خير من السفلى وابدأ بمن تعول، وخيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفُّه الله، ومن يستغنِ يغنه الله) .
رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة ﵁، عنه ﵌: (ليس الغِنى عن كثرة العرض ولكنَّ الغنى غنى النفس) .
رواه البخاري ومسلم.
[ ١١٧ ]
وعن جابر مرفوعًا: (عليكم بالقناعة فإن القناعة مالٌ لا ينفد) .
رواه الطبراني في الأوسط.
وعن أبي هريرة بلفظ: (خيار المؤمنين القانع، وشرارهم الطامع) .
رواه القضاعي.
وقال ﵌: (إن مما ينبت الربيع يقتل حبطًا أو يُلمُّ إلا آكلة الخضر ) الحديث.
رواه مسلم.
ومعناه أن إنبات الربيع وخضره تقتل حبطًا بالتخمة لكثرة الأكل أو تقارب القتل إلا إذا اقتصر منه على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة فإنه لا يضر. وهكذا.
[ ١١٨ ]
وروي عن علي ﵁ في تفسير قوله تعالى: (وَلَنُحْييَنَّهُ حَيَاةً طَيَّبَةً) أنها القناعة.
وعن عبد الله بن الحصين ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (من أصبح منكم آمنًا في سِربه، معافى في بدنه، وعنده قوتُ يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) .
رواه الترمذي وقال: صحيح غريب.
وعن جابر ﵁ مرفوعًا بلفظ: (إياكم والطمع فإنه هو الفقر، وإياكم وما يُعتذر منهُ) .
رواه الطبراني في الأوسط.
[ ١١٩ ]
وعن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: (ابن آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يُطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنعُ ولا من كثير تشبعُ. ابن آدم إذا أصبحت معافى في جسدك، آمنًا في سربك، عندك قوت يومك فعلى الدنيا العَفاء) .
رواه البيهقي في الشعب وابن عدي.
وعن سهل بن سعد ﵁، عنه ﵌ قال: (أتاني جبريل فقال: يا محمد عش ما شئتَ فإنكَ ميّت، وأحبِب مَن أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مُجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزّهُ استغناؤه عن الناس) .
رواه الحاكم والبيهقي.
[ ١٢٠ ]
وأما سلامة الصدر فالمراد به عدم الحقد والغل والبغضاء.
عن الزبير بن العوام ﵁، عنه ﵌ قال: (دب إليكم داء الأُمم قبلكم: إلى والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفسُ محمدٍ بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السلام بينكم) .
رواه أحمد والترمذي.
ولمسلم عن أبي هريرة قوله: (لا تدخلوا الجنةَ) .
وعن أبي هريرة، عنه ﵌: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويم الخميس فيغفر فيها لكل عبدٍ لا يُشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه
[ ١٢١ ]
شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا) .
رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
وعن ابن عباس مرفوعًا: (ثلاثٌ من لم يكن فيه فإن الله يغفر له ما سوى ذلك: من مات لا يُشرك بالله شيئًا، وَلم يكن ساحرًا يتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه) .
رواه البخاري في الأدب والطبراني.
وأما التواضع فهو أن لا يرى لنفسه حقًا.
وعن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﵌: (إن الله تعالى أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحدٌ
[ ١٢٢ ]
على أحدٍ، ولا يفخرَ أحدٌ على أحدٍ) .
رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
وعن أبي هريرة ﵁، عنه ﵌:
(ما نقصت صدقةٌ من مال وما زاد امُرؤٌ يعفو إلا عزًّا وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله) .
رواه مسلم والترمذي.
وسيأتي تمام الأحاديث فيه في ذم الكبر.
وأما القسم الثاني المنهي عنه فمنه ضد ما تقدم، وهو: عدم صلاح النية، وعدم الإخلاص، وعدم التقوى واليقين، وعدم الصبر، والاستغناء بنفسه عن التوكل على الله، والغل، والحقد.
[ ١٢٣ ]
ومنه الحسد، وهو تمني زوال النعمة.
واعلم أن الحاسد لا يفوز بشيء سوى شديد الوعيد والخسران الذي ليس عليه مزيد مع عدم ضر المحسود بشيء من الأشياء، وهذا لا يرضى به ذو عقل سليم إلا من استخفه الشيطان الرجيم.
وعن أبي هريرة رضي الله، عنه ﵌: (لا يجتمع في جوف عبدٍ مؤمنٍ غُبارٌ في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمع في جوف عبدٍ الإيمان والحسد) .
رواه ابن حبان في صحيحه.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (إياكم والحسد فإن الحسد يأكُل الحسنات كما تأكل النار الحطب) .
رواه ابن ماجه، ورواه أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة.
[ ١٢٤ ]
وعن ضمرة بن ثعلبة مرفوعًا: (لا يزالُ الناس بخيرٍ ما لم يتحاسدوا) .
رواه الطبراني بإسناد رجاله ثقات.
وتقدم قوله ﵌ لما سئل عن أفضل الناس إنه: (التقيٌّ النقي لا إثم فيه ولا بغيٌ ولا غلَّ ولا حسد) .
وقوله ﵌: (ولا تحاسدوا ولا تباغضوا. الحديث..) .
وعن أبي بكر ﵁ عن النبي ﵌ قال: (عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار، وسلوا الله اليقين والمعافاة فإنه لم يُؤتَ أحدًا بعد اليقين خيرٌ من المعافاة، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا
[ ١٢٥ ]
عباد الله إخوانًا كما أمركم الله) .
رواه أحمد والبخاري في الأدب.
وعن معاوية بن حيدة، عنه ﵌: (الحسد يُفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل) .
رواه أبو يعلى.
وعن عبد الله بن بُسر مرفوعًا: (ليس مني ذو حسدٍ ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا مِنهُ) .
رواه الطبراني.
ومنه: الكبر، وهو احتقار الناس والترفع عليهم ودفع الحق، وهو أشد هذه الثلاثة الباطنة، نسأل الله السلامة.
[ ١٢٦ ]
وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (من مات وهو بريء من الكبر والغلول والدين دخل الجنة) .
رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه.
وعن ابن عمر ﵁، عنه ﵌: (ما من رجل يتعاظم في نفسه ويختال في مشيته إلا بقي الله وهو عليه غضبانَ) .
رواه أحمد والبخاري في الأدب والحاكم.
وعن فضالة بن عبيد ﵁، عنه ﵌: (ثلاثةٌ لا يسألُ الله عنهم: رجلٌ يُنازع الله إزاره،
[ ١٢٧ ]
ورجل ينازع الله رداءه، فإن رداءه الكبر وإزاره العزٌّ، ورجلٌ في شكٍّ من أمر الله والقنوط من رحمة الله) .
رواه البخاري في الأدب والطبراني وأبو يعلى.
وعن أبي سعد قال: قال رسول الله ﵌: (من تواضع لله درجةً رفعه درجة حتى يجعله في أعلى علّيين، ومن تكبّر على الله درجةً يضعه الله درجة حتى يجعله في أسفل سافلين، ولو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس عليها بابٌ ولا كوّةٌ يُخرج ما غيّبه للناس كائنًا ما كان) .
رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال على المنبر: أيها الناس تواضعوا فإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: (من تواضع لله رفعه الله) وقال: (انتعش ينعشك الله
[ ١٢٨ ]
فهو في أعين الناس عظيم وفي نفسه صغير، ومن تكبر قصمه الله وقال: اخسأ فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير) .
رواه أحمد والبزار.
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌ يقول الله ﷿: (العزُّ إزاره، والكبرياء رداؤه فمن نازعني واحدًا منهما عذبته) .
رواه مسلم.
وعن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (ألا أخبركم بأهل النار كل عتلٍّ جوّاظٍ مستكبرٍ) .
رواه البخاري ومسلم.
[ ١٢٩ ]
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌:
(ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذابٌ أليم: شيخٌ زانٍ، وملِكٌ كذاب، وعائلٌ مستكبر) .
رواه مسلم والنسائي.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجلٌ: إن الرجل يُحب الجمال، الكبر بطرُ الحقّ وغمط الناس) .
رواه مسلم والترمذي.
وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (بينما رجلٌ ممن كان قبلكم يجرُّ إزاره من الخيلاء
[ ١٣٠ ]
خُسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة) .
رواه البخاري.
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﵌: (من جرَّ ثوبه خُيلاء لم يُنظر اليه يوم القيامة. فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله إن إزاري مُسترخٍ إلا أن أتعاهده، فقال رسول الله ﵌: إنك لست ممن يفعلهُ خُيلاء) .
رواه البخاري ومسلم.
ومنه: إعجاب المرء بنفسه، وهو في معنى الكبر.
وعن ابن عمر مرفوعًا: (ثلاثٌ مهلكاتٌ، وثلاثٌ مُنجياتٌ، وثلاثٌ كفّاراتٌ،
[ ١٣١ ]
وثلاث درجاتٌ، فأما المهلكات فشحٌ مُطاعٌ وهو مُتبعٌ وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجياتُ فالعدل في الغضب، والرضا والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية. وأما الكفارات فانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في السبرات ونقل الاقدام إلى الجماعات. وأما الدرجات فإطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناسُ نيام) .
رواه الطبراني في الأوسط.
وعنه أيضًا مرفوعًا بلفظ: (كفى بالمرء علمًا إذا عَبَدَ الله، وكفى بالمرء جهلًا إذا أُعجب برأيه) .
رواه أبو نعيم، والبيهقي، عن مسروق نحو مرسلًا.
[ ١٣٢ ]
ومن الأمور الباطنة: الظن وحب الرئاسة ونحوهما، وفيما ذكرت كفاية، وفيه تنبيه على البقية، فيا أيتها النفس الخبيثة المنطوية على كل بلية بعد هذا، حنانيك، فبعض الشر أهون من بعض.
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لوْ نَادَيْتَ حَيًَّا وَلَكِنْ لا حَياةَ لِمَنْ تُنادي
وَنارًَا لَوْ نَفَخْتَ لَقَدْ أَضاءَتْ وَلَكِنْ صرْتَ تَنْفُخُ في رَمادِ
قال بعض كفار الهند بعد إسلامه: جاهدت نفسي في كسر الوثن الذي كنت أعبده ليلة فغلبتها فكسرته، وأنا في جهاد لها اليوم نحو عشرين سنة في كسر الأصنام الباطنة فلم أقدر ولا نفع جهادي.
وقال أبو عبد الله المحاسبي: وأبناء الآخرة صنفان: صِنفُ رضوا بترك العيوب الظاهرة من الزنا والسرقة وشرب المُسكر والغيبة والنميمة والكذب ومغالبة الناس بالظلم وعملوا الطاعات الظاهرة من الصلاة والصوم وقراءة القرآن والزكاة والجهاد والحج والعتق وعيادة المرضى وتشييع الجنائز وأعمال البر التي هي ظاهرة بالأركان ولم يصلوا إلى عيادة القلب وهي الحكم ولم يقبلوا على العيوب الباطنة، فإذا جاءت نوائبُ هذه
[ ١٣٣ ]
الأخلاق ظهرت منهم أمور لا تظهر إلا من السفهاء من الظلم والاعتداء، وإذا جاءت نائبات الذل كاد أن تسوء أخلاقه وينخلع من دينه هربًا من الذل وإقامة لجاهه، وفي موضع إذا دارى وهو مُداهنة، ولو كان صادقًا لكفاه الله ﷿، وإذا جاءه موضع الرزق فكأنه لم يسمع قوله تعالى: (وَما مِنْ دابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُها) فتراه مهتمًا محزونًا كئيبًا قنطًا عن سياق الله ﷿ ذلك إليه، وإذا جاء موضع الرئاسة فُرد عليه قوله اشمأز وغضب إلى أن قال: فهو عند نفسه صاحب عبادة وصمتٍ وصلاة وبالباطن خرابٌ يقدم على الله تعالى وفيه هذه العُيوب الباطنة، وهو غير ثابت فيها لأنه لم ينتبه لها، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب.
قال: وأما الصنف الآخر فترك العيوب الظاهرة وانتبه إلى العيوب الباطنة، وأقبل على النفس الأمّارة فراضها حتى تركت هذه الأخلاق، وجاهدها حتى أذعنت، وصدق في مجاهدتها حتى استقامت فقدم على ربه طاهرًا متطهرًا تائبًا نازعًا عن العيوب الظاهرة والباطنة. انتهى كلامه وأقول:
[ ١٣٤ ]
دَعْ عَنْكَ تَذْكارَ اللِّوَى والرَّنَى
كَذاكَ قَدْ أَشْجَى الفُؤادُ الكَلِيم
لا ترجُ في هّذا وَلا ذَا سِوَى
لكِنْ إِذَا ما شِئْتَ قدْحَ العُلَى
فَفي جِهادِ النَّفْسِ عَنْ غَيِّهَا
وَعَرِّشْ أَشْجَارَ التُقى والرِّضَى
تَجْنِي ثِمارَ الزُّهْدِ في بَيْعهَا
فَيَا مَلِيكَ الْمُلْكِ يا مَنْ لَهُ
[ ١٣٥ ]