نشرت سنة ١٩٣٨
نحن اليوم (في أكثر بلدان الشرق الإسلامي) في دور يقظة، ومطلع نهضة، ولكل نهضة جسم وروح؛ أما الجسم فهذه السياسة وما يتصل بها، وهذه الدواوين الحكومية وما يكون فيها، وهذه القوانين والأنظمة وما ينشأ عنها؛ وأما الروح فهو الأخلاق والعقائد والمثل العليا. فروح الحكم الإخلاص والقناعة والعدل بين الناس، وروح الوظيفة الاستقامة ومعرفة الواجب، وروح الديمقراطية الإرادة المشركة وضمان المصلحة العامة، وروح المدرسة تنشئة جيل المستقبل على المثل العليا، وروح الصحافة نشر الحق والفضيلة والخير فهل امتدت نهضتنا إلى الروح، أم هي قد اقتصرت على الجسم وحده، لم نُعن إلا به، شأننا في كل أمر من أمورنا حين نهتم بالقشور ونقف عند الظواهر؟.
الجواب عند القراء، لا حاجة إلى إثباته في هذا المقال. ولكن الحاجة ماسة إلى كتَّاب ومربين وعلماء، يَسْتَقْرون أخلاقنا التي نحن عليها، ويصنّفونها ويقوّمونها، ويرون ما يجب أن يبقى فيعملون على تثبيته ونشره، وينظرون ما ينبغي أن يبدّل أو يعدّل، فيسخّرون المدرسة والصحافة والقوانين لتبديله وتعديله، لتنشأ أمة المستقبل على الأخلاق الصالحة التي تستطيع أن تبلغ بها ما تريد من مجد وعلاء، وتتبوّأ المكان اللائق بها بين الأمم، وتلقي هذه الأخلاق التي ورثناها من الحكم التركي الطويل، وبلغت بنا قعر الهاوية التي نحاول اليوم النجاة منها، ونعود إلى أخلاقنا الإسلامية التي قبسها منا الغربيون فأفلحوا بها ونجحوا
***
[ ١٠٨ ]
من هذه الأخلاق التي يجب أن نتخلص منها أننا لا نعرف التعاون ولا نقدر أن نعمل مجتمعين. فالفرد منا عامل منتج، ولكن الجماعة عاجزة عقيمة، ومن نظر إلى انتشار الشركات في الغرب على اختلاف أنواعها، والجمعيات على تنوع غاياتها، والأحزاب والنوادي، ورأى ما عندنا من ذلك رأى أنه ليس إلى المفاضلة من سبيل وعلة ذلك (الأنانية) المفرطة، والأثرة الجامحة، وحب الذات الطاغي، فالرجل منا يريد أن يكون هو كل شيء في الجمعية أو الشركة، رئيسها إن كان لها رئيس، أو ناموسها (سكرتيرها) إن لم يكن رئيس، وعضو الإدارة إن كان مجلس إدارة، وأن يكون له الرأي إن أخذت الآراء بل إنا نرى كلاما يعطل أعمال الآخرين ويبطلها، ويعمل على هدمها، بينما نراه مؤمنًا بلزومها، معتقدًا بالحاجة إليها، ساعيًا إلى القيام بمثلها، فهو يعرف الحاجة إلى ناد أدبي ولكنه يحارب النادي لأنك أنشأته أنت؛ وهو يعلم الحاجة إلى مدرسة دينية ويدعو إليها، ولكنه إذا رآها قد فتحت ونالت قسطًا من النجاح أصلاها حربًا حامية، وجعل أكبر همه هدمها وتخريبها. ذلك إن دعوته الأولى لم تكن عن إخلاص ولم يكن يريد بها وجه الله والمصلحة، ولكنه يريد الفخر والشهرة والنفع واللذة، فلما رآك أنت السابق إليها والذاهب بفخرها، خان المصلحة وعصى الله ليرضي أثرته ويستجيب لأنانيته وهو شاعر بالحاجة إلى جمعية خيرية يسعى إلى تأليفها بحماسة وجد ودأب قد ملأت فكرتها نفسه وحياته فهو لا يتحدث إلا بحديثها، ولا يشتغل إلا لتأسيسها، فإذا تم له الفلاح بعد التعب والكفاح وقامت الجمعية ولم يكن هو الرئيس أو هو الناموس انفصل عنها وحاربها حربًا لا هوادة فيها وسعى إلى هدم ما بناه بيده
هذا داء من أشد أدوائنا الخلقية، إن لم نعالجه فشت جرثومته في جسم الأمة، فشلّت أعضاءها وعطلت أعمالها:
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟
وأين هو الإخلاص، وأين هو الصدق، فيمن يدعو إلى الخير أو الدين
[ ١٠٩ ]
أو الفضيلة، وغايته استغلال الدين والخير والفضيلة لمصلحة نفسه وإطاعة هواه؟.
ومن هذه الأخلاق أننا لا نعرف قيمة الوقت، وأنا نضيع أوقاتنا سدى، ونذهب أعمارنا عبثًا لا نعرف لها قيمة وهي أثمن ما نملك. وإذا كان فينا من يحسن الاستفادة من وقته، وينفقه في علم أو أدب أو شيء مما ينفع الناس، لم يعدم من الثقلاء من يضيع عليه وقته، ويسرق عمره ولا يتوهم أنه أساء، وما أظن أن في القراء من لا يذكر حادثة في هذا الباب كنت ذاهبًا إلى المدرسة ذات مرة، وكان عليّ محاضرة لم يبق دون موعدها إلا مسافة الطريق، وكنت مسرعًا لا أكاد أبصر طريقي فاعترضني رجل كبير كان ناظر المدرسة الثانوية التي كنت فيها وله في البلد حرمة ومقام، فأقبلت عليه أحييه وأفهمته برفق أن عليّ محاضرة قد حان موعدها فقال: طيب لحظة. وانطلق يتكلم، فلا والله ما سكت إلا بعد ما مضت نصف ساعة ألقى هو فيها المحاضرة عليّ، وأنا أتململ وأتحرك ويربدّ وجهي وأحس النار تشتعل في عروقي. فلما انتهى قال:
- أظن أننا وقفناك عدم المؤاخذة!.
هذه علة أخرى من عللنا الأخلاقية لا شك في أنها من أشدها وأدواها لأن حفظ الوقت آكد وسيلة إلى النجاح، وخير طريقة لرفعة الفرد والمجموع. أذكر أن الدكتور نمر تحدث إلى قراء المقتطف في العدد الخاص بعيد المقتطف بين لهم أن أثمن ما استفاده من الأمريكان في كليتهم هو تقدير الوقت، وأن ذلك هو الذي أعانه وزميله الدكتور صروف على النجاح وأتاح لهما تحقيق هذا المشروع العظيم، والأمريكان خاصة والغربيون على التعميم يعرفون كيف يستفيدون من أوقاتهم، فيقوم أحدهم في اليوم بأعمال لا تقوم بمثلها الجماعة منا في أسبوع. وكذلك كان أجدادنا الذين تركوا هذه الآثار العلمية الضخمة، وكان فيهم من بلغت تصانيفه الثلاثمئة فما فوقها .. كانوا يحسنون الاستفادة من
[ ١١٠ ]
أوقاتهم، ولا يدعون دقيقة واحدة تمرّ إلا في عمل مفيد، أو راحة واجبة، أو قضاء حق لله أو للجسم أو للعيال .. والوقت لا يضيق بعمل إذا عرفنا طريق استغلاله والانتفاع به. ولو أحصى الواحد منا ما يذهب من عمره هدرًا في (المقاهي) أو دور اللهو، وفي الأحاديث الفارغة، ومطالعة الصحف الجوفاء، والمجلات المؤذية، وقدر ما يمكن أن يعمل في مثل هذا الوقت من جليل الأعمال ونافعها لهاله الأمر ورأى شيئًا عظيمًا.
وانظر إلى التلميذ إذا دهمه الامتحان كيف يقرأ الكتاب في ليال ويحفظه كله، والموظف إذا اضطر إلى العمل، أو الصحفي إذا كان موسم من مواسم الصحافة، والمؤلف إذا طمع في الجائزة الكبرى؛ انظر إلى هؤلاء كلهم، وانظر إلى هؤلاء الأفراد الممتازين الذين يشتغلون بالسياسة ويبرزون فيها، ويؤلفون في الأدب وينبغون فيه، ويطالعون كثيرًا من الكتب، ولا يقصرون في حقوق أنفسهم وأهليهم، وحقوق الناس، تعلم أن الوقت واسع جدًا، ولكن الجاهل المهمل يضيقه على نفسه.
ومن الأخلاق التي يجب أن نتعلمها تقدير المصلحة العامة وإهمالنا هذه المصلحة باب آخر من أبواب الأثرة (الأنانية) منشؤه أن أكثر الحكومات التي تتالت على بلدان الشرق الإسلامي في هذه القرون الأخيرة لم تكن من الشعب ولا إلى الشعب، ولم تكن تحرص على مصلحته، فزالت ثقته بها، ونظر إليها نظره إلى عدو مقاتل، وغدا يرى كل أذى يلحقه بها، أو مال يستلبها إياه، أو حق لها يضيعه، يرى كل ذلك بطولة وفخرًا، وغدا كل واحد منا يسعى جهده ليفرَّ من الخدمة العسكرية أو يحتال بحيلة تنجيه من دفع الضرائب، أو يتوسل بوسيلة إلى اختلاس مال الخزينة. ولعل له في ذلك عذرًا، هو أن الخدمة العسكرية كانت لحماية الحكومة دون الشعب، والضرائب لحياتها هي؛ وكان مال الخزينة مالها ينفق على أفرادها. ولا تزال الموازنة عندنا إلى الآن مصروفًا ثلثاها على الموظفين رواتب لهم وأجورًا، والثلث أو ما دونه على المصلحة التي أنشئت من أجلها الحكومة.
[ ١١١ ]
ونحن في حاجة إلى التخلص من هذا المرض. نحن في حاجة إلى الإيمان بأن مصلحة الفرد في مصلحة المجموع وأن رفعته في رفعة الأمة يجب أن تسأل الأم ابنها كل ليلة: ماذا عملت لأمتك؟ بماذا خدمت اليوم دينك؟ هل راقبت ربك في عملك؟ هل أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر؟ هل أحسنت إلى سائل؟ هل تبرعت بقرش لجمعية خيرية؟ هل تعلمت مسألة نافعة؟ هل كنت مهذبًا مع رفاقك؟ ويجب أن يسأل كل منا نفسه هذا السؤال عندما يضع رأسه على الوسادة قبل أن يستسلم إلى النوم.
ومن هذا الباب إطاعة القوانين واحترام النظام، ذلك الذي لم نتعلمه بعد ولا نعرفه أبدًا لأن زمانًا غبر (ولم يتبدل بعد) كانت القوانين والأنظمة توضع فيه لغير مصلحتنا وتفرض علينا فرضًا فتعودنا ألا نطيعها وألا نحترمها، ولكنا دخلنا اليوم في طريق الاستقلال (أو كأن قد) وصرنا نضع قوانيننا (إلى حد ما) بأنفسنا فيجب أن يتبدل ذلك كله وأن يرسخ في نفوسنا احترام القوانين وإطاعتها ما دام فيها طاعة الله ومصلحة الناس.
ومن هذا الباب أو ما هو شبيه به احترام الراحة العامة. نمت ليلة في فندق كبير في بيروت، فنزل في الغرفة اللاصقة بغرفتي جماعة من أكابر حلب حلّوا بعد نصف الليل فبعثوا أحدهم بحاجة لهم إلى السوق، فلما بلغ الشارع ذكروا حاجة أخرى يأمرونه بقضائها فأطل أحدهم من شرفة الطبقة الخامسة وناداه وكلمه بصوت يوقظ الموتى، فلم يبق حيّ في الفندق إلا قام. ولما عاتبوه ولاموه لم يستطع أبدًا أن يفهم أو يتصوّر أنه أتى أمرًا نكرًا.
وانحدرت مرة من الأعظمية إلى بغداد في سيارة عامة من هذه السيارات التي يسمونها هناك (الباص) فركب معنا جزار معه خروف مسلوخ وضعه على ركبته وألقى برقبته على ثيابي، ورأيت الناس ينظرون إليه نظر المقرّ الموافق فاضطررت إلى النزول من غير أن أشتبك معه بقتال.
وكثيرًا ما نسمع رجلًا أو جماعة يمرون في الشارع قبيل الصبح فيأخذهم
[ ١١٢ ]
الطرب فيغنون بمثل الصوت الذي ذكره ربنا في الكتاب، ولا يقدّرون أو يتصورون أنهم يسيئون إلى أحد.
ولا يمضي على الواحد منا يوم لا يرى فيه ما يسوء ويزعج من بصاق في الترام أو المقهى، أو حديث في المكتبة العامة، أو خصومة في المسجد، أو غير ذلك من المزعجات المنغصات التي لا يزيلها إلا عناية المدرسة بتعليم الطلاب احترام الراحة العامة، وحث الصحف الشعب على ذلك.
ومن الأخلاق التي يجب أن نسرع إلى تعلمها احترام الواجب والاستقامة والإصغاء إلى صوت الضمير. إن المعلم لا يتورع إذا أمره رئيس أو رجاه صديق أو نالته منفعة، أن ينجح التلميذ الذي يستحق السقوط في الامتحان وأن يزيد في الدرجات وأن يفعل كل شيء؛ والقاضي لا يمتنع محن تبرئة الظالم وعقاب المظلوم؛ والوزير لا يتقاعس عن إيثار الشفاعات والوساطات على الكفايات والشهادات؛ والطبيب لا يبالي بأن يجهض أو يأتي كل أمر يستطيعه ما دام في ذلك لذة له أو فائدة؛ والموظفون يقبلون الرشوة والناس يعطونها ولا تكاد تجد من عرف الواجب عليه وأكبره إكبارًا، وضحى في سبيل القيام به بكل شيء ولا أعني أن كل المعلمين أو القضاة أو الوزراء أو الأطباء متنكبون سبيل الشرف مضيعون للواجب، ولكن الذي أعنيه أن فيهم من هذا شأنه، وأن احترام الواجب لم يذع فينا ولم يصبح شعارًا دائمًا لنا، وأن المدرسة والصحافة والقانون وواضعه، كل أولئك مقصّرون لا يولون هذا الأمر ما يستحق من العناية والاهتمام في حين أنه من الأسس الثابتة والدعائم الكبرى في بناء الأمم.
ونحن في حاجة إلى تعلم الصدق، لأن الكذب قد فشا فينا وعم وأصبح أسهل شيء علينا، فنحن نكذب في الأمور الهينة ونكذب في الجليلة، ونعلم أولادنا الكذب. من منا لا يقرع بابه فيقول لابنه: قل له إن أبى ليس هنا! ومن منا يلقى رفيقًا له أو رجلًا يعرفه فيقول له: كيف حالك أو زيك؟ فلا يقول له: بغاية الشوق، وهو لا يشتاقه ولا يفكر فيه، وقد يكون مبغضًا له يرى البعد عنه غنيمة فمجاملاتنا وحياتنا الاجتماعية كلها قائمة على الكذب. ومن
[ ١١٣ ]
جرب أن يصدق يومًا كاملًا رأى العجائب، وقد أدرك ذلك العامة فجاء في أمثالهم (الصادقة): الكذب ملح الرجال، والعيب على الذي يصدق.
هذا وشبهه (وما أكثر أشباهه) روح النهضة وقوامها، فإذا لم تعتن به الحكومات والأحزاب والجمعيات والمدارس، ومن يشتغل بالوطنية، ويبث في نفس الأطفال، ويوضع في نظم التربية والتعليم، كانت نهضتنا جسمًا لا روح فيه!
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
***
[ ١١٤ ]