نشرت سنة ١٩٤٤
كنت أصفح (١) الرسالة فوقع بصري على المقالة البارعة التي كتبها الأستاذ الزيات عن شواطئ مصر وما فيها، فقرأتها حتى بلغت قوله فيها ( جرجر البحر إحدى موجاته الضخام إلى أعلى الساحل، فجريت إلى فوق، أتقي هذا المد الفاجئ، فإذا بي واقف إزاء مظلة جميلة منعزلة، قد انبطحت تحتها فتاة ناهد، لم تقع العين منذ الصباح على أكمل منها صورة، وكان ذعر السائرين من هجمة البحر قد لفتها لتنظر، فلما وقع بصرها عليّ، نهضت نهضة الظبي الفزع تحيي بالعربية أستاذها القديم.
- أوه فلانة؟!
نعم، ويسرني أن أراك بعد خمس سنين.
- هل أنت وحدك هنا؟
- كلا، بل معي أخي وقد أتعبه صراع الأمواج الثائرة، فذهب إلى «الكابين».
- وكيف حال البك؟
- الحمد لله خير حال، وما أكثر سؤاله عنك، وأشد شوقه إليك، لقد كان جالسًا في الكازينو، ثم انصرف إلى البيت منذ قليل.
قالت ذلك تلميذتي الأرستوقراطية المسلمة، وهي تنصب كرسيًا طويلًا من
_________________
(١) أصفح: أتصفح.
[ ١٨٨ ]
القماش دعتني إلى الجلوس عليه، ثم جلست هي على كرسي آخر، وكانت كأمها حواء لا يستر جسمها العاري إلا «ورقتان» خصفتهما عليه من أمام ومن خلف، فسرعان ما ذكرت ذلك المكتب الفخم الذي كانت تجلس قبالتي عليه لتستعد لامتحان البكالوريا، وهي ملففة بثوبها الأزرق الأنيق المسبل، وعيناها الساجيتان لا تفارقان الصحيفة حياء وخفرًا، وثغرها الحيي الدقيق، لا يرسل سهل الكلام إلا في تلعثم وبطء ).
لما بلغت في المقالة هذه الصورة، كنت متمددًا في فراشي أهم بإدارة مفتاح النور والاستسلام للنوم، فطار النوم من مقلتي، وتوقدت في أعصابي نيران الغضب للفضيلة المجنيّ عليها والعرض المُزدرَى، ودار في نفسي كلام، لو أنا أطعت النفس وبعثت به للنشر لبعثت عاصفًا يعصف بهذا البك الذي ارتضى لفتاته ما لا ترتضيه البهائم لإناثها من غيرتها عليها، وهذا الشاب الذي صارع الأمواج ليثبت رجولته المزورة، ثم انصرف إلى هذا «الكابين» الذي لا أعرف أي شيء هو، وقد صُرع شرفه وسلم عرضه، ولأرسلت شواظًا من نار على هذه (المجلات) المستهترة التي سخرها إبليس لهدم الأخلاف ونسف الفضائل والدعوة إلى شرع الشهوات بما تنشر من الصور العارية، وما تحبذ من السفور والحسور والاختلاط، وما تنال من أصحاب الشرف والفضيلة كالشيخ الجليل أبي العيون
ثم رددت القلم إلى قرابه، وأطفأت بكأس اليأس وقدة الغضب، ورجعت على نفسي باللوم فقلت: يا نفس ويحك! هل تظنين أنك وحدك المحقة، وهؤلاء الناس كلهم من المبطلين، وكلهم يخطئ وأنت تصيبين؟ أو لا ترين للناس عيونًا يبصرون بها هذا كله كما يبصره (أبو العيون) ثم يسكتون؟ فلو كان محرمًا أو ممنوعًا أكانت مصر تقرّه؟ أو كان علماؤها يكفون عن إنكاره؟ أوَ كان كبراؤها وعظماؤها يرضونه لبناتهم وأخواتهم؟ كُفِّي يا نفس فقد مضى زمنك وغبرت أيامك، وصرت في آرائك وأفكارك من آثار الأولين. وهل تريدين أن يعود الناس إلى عصر الجهالة والظلام يوم كان الأب ربَّ بيته،
[ ١٨٩ ]
والزوج قوّامًا على امرأته، والمرأة لا تعرف الفسيولوجيا والجيولوجيا، وإنما تعرف الطبْخـ لوجيا والكنْسَـ لوجيا، وكان جمال المرأة لزوجها وحده قد حُرمت من عَرضه على الناس، ومُلْكها البيت وحده لا الشارع ولا الساحل. هل تريدين أن يعود الناس إلى تلك العهود حيث القيود أنواع: فمن قيد الدين، إلى قيد الخلق، إلى قيد الآداب؟
لا، إن العصر عصر الحرية، حرية المجنون الذي يفعل كل ما يشاء، فيخلع اليوم ثوبه، وغدًا دينه وعقله، ولا يستطيع أحد أن يقول له: دَعْ! حرية راكب السفينة الذي يخرق مكانه ليدخل عليه الماء فيستنقع فيه، يقول: هو مكاني أفعل به ما أشاء، فما لكم ولمكاني، يقول: هي امرأتي ألبسها ما أشاء فما لكم ولامرأتي، هي ابنتي أجردها كما أشاء فما لكم ولابنتي، «فإن أخذوا على يده نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا»؛ لأن السفينة إن ملأها الماء لا يغرق من خرقها وحده وإنما يغرق الجميع، والنار إن شبت في البيت لا تحرق من أضرمها وحده وإنما تحرق الجميع، والفجور إن انتشر لا يهلك الفاجر وحده وإنما يهلك الجميع.
فيا أيها المصريون، بل أيها المسلمون انتبهوا، إنها النار شبّت في ستانلي باي، وأقبلت تضربها الرياح الأربع وتهيجها تحرق كل ما تمسه، واندفعت مندلعًا لسانها تمتد شرقًا وغربًا وإلى الجنوب، إنها النار النار وهاتيكم المجلات تنفخ فيها وتضرمها، وتحمل إليها الوقود لحومًا بشرية وأعراضًا وأمجادًا؟
يا قوم إن الله خلق الشهوة، وأمر بكفّ شِرّتها وكسر حِدّتها. وشرع لها طريقًا مرسومًا كيلا تطغى كما يطغى النهر إذا خرج عن سبيله، وجاوز مجراه، وهذا الطريق هو الزواج. وأقام لها الحواجز والسدود، فخوف المرض سدّ، فعطلتم حدود الله فلا تقام على زانٍ، ووضعتم قوانين تكاد تبيح ثلاثة أرباع الزنا، ولا تعاقب إلّا على الربع الباقي، ومنعتم الفضيحة حين جعلتم هذا المنكر معروفًا، وأعلنتموه وقد كان شرًا مستترًا، وجعلتموه تمدنًا وقد كان وحشية وخزيًا وعارًا، وأنسيتم أولادكم خوف الله حين أقللتم من دروس الدين في
[ ١٩٠ ]
المدارس، ولم تدخلوها في الامتحانات العامة، واستعنتم بالطبّ على تجنب المرض، فأدخلتم الذئب على غنمكم
إن الشهوة ذئب كاسر فلا تطلقوه عليكم، فلا تدرون ماذا يفعل ببناتكم وأولادكم. إنه يفسدهم ويفسدهن، وما للعرض الذاهب من رجعة، إن الشهوة إن أطيعت في الحرام بطل الزواج، وهذا ما حلّ بنا أوكاد، وإن بطل النكاح حلَّ السفاح، وإن حلَّ السفاح صار البشر كالخنازير والعياذ بالله!
فما لكم كيف تحكمون؟
إنكم تشكون تقصير الطلاب، وخَوَر العزائم، وضياع الأمانة، وسبب ذلك كله السفور (١) والاختلاط والحسور والتكشف، وكيف ينصرف تلميذ إلى درس، ويقبل معلم على علم، وتاجر على تجارة، وموظف على عمل إن شغلته شهوته، وسيّرته أعصابه، وركبه إبليس وألجمه بلجام.
خبروني هل في الدنيا دين من الأديان أو خلق من الأخلاق يبيح هذا الذي في ستانلي باي وسيدي بشر؟ فماذا لا يُحارب المنكر؟ لماذا لا يقوم عليه القائمون على الأخلاق؟ لماذا لا ينفر منه الأدباء؟ لماذا لا تحمل عليه جمعيات الهداية والشبان والإخوان والأنصار، وخطباء الجمعة؟ هل تريدون كلمة الحق: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾؟ إنّكم منذ خالفتم فطرة الله فقلتم المرأة مثل الرجل سواء بسواء، ونسيتم أنها لاتتم المساواة حتى تسنوا قانونًا يجبر الزوج أن يحبل سنة والمرأة سنة، ويرضع شهرًا وترضع شهرًا، ويحلق لحيته مرة وتركّب لها لحية مرة أخرى ومنذ عكستم حكمة الخالق فجعلتم المرأة قوامة على الرجل وجعلتم طاعتها تمدنًا ورقيًّا وإن كانت تطيع الشيطان، ومذ علمتموها ما لا ينفعها من العلوم، وما لم تخلق له ولا يصلح لها فتحتم الطريق التي تذهب إلى جهنم مارة بستانلي باي! وطارت شرارة منها فأضرمت هذه النار
_________________
(١) أعني غير الشرعي منه.
[ ١٩١ ]
إنها النار وإني نذير لكم! فهل تطفئوها قبل أن تستفحل؟
يا كتاب مصر! يا علماء مصر! يا رجال مصر! إنها النار وإنها لن تحرقكم وحدكم، ولكن تحرقنا معكم لأنا اتخذنا مصر إمامًا وائتَمَمْنا بها. إنا جعلناكم قادتنا وتبعناكم، فاللَّهَ اللَّهَ أن تقودونا إلى الدمار والعار وإضاعة الذمار وأن نصلى في الدنيا نارًا وفي الآخرة (النار)!
***
[ ١٩٢ ]