نشرت سنة ١٩٤١
قد أكون على موعد يفوتني بفواته خير عظيم، ولا يبقى بيني وبينه إلا مقدار ما ألبس ثيابي وأمشي إليه، فيجيئني ضيف لا حاجة له عندي، ولا خير له في زيارتي، ولا يبتغي مني إلا أن يدفع الملل عن نفسه بالبقاء ساعتين أو ثلاثًا عندي، فيسقط في يدي، وأحار في أمري (١): إن استقبلته ضيعت موعدي، وإن رددته أضعت «حق الضيافة» وتعرضت لسوء الأحدوثة؛ ثم أختار أهون الشرين فأرحب به وأدعوه، وآمل أن أفهمه حقيقة حالي وأعجل له بالقهوة فينصرف وأجلس بين يديه متململًا متضايقًا، وأتلطف في إفهامه والاعتذار إليه، فلا يحفل بي ولا بموعدي، ولا ينظر إلا إلى نفسه ورغبته في قطع الوقت بهذه الزيارة، فيقعد آمنًا مطمئنًا، يحدثني حديث السياسة، ويسألني عن الروس واليابان، والصين وتركستان، ويعرض عليَّ رأيه في الأنظمة التي ستعم العالم بعد الحرب ويفيض ويسهب، وأنا أتقلّب على النار، ويبقى على ذلك حتى لا يبقى لي منفعة من الذهاب، ولا يمكن تدارك ما فات، فينصرف ليتحدث عني بأني لقيته بجفاء وخشونة، وكلمته باقتضاب وإيجاز، ولم أوفّه «حقوق الضيافة»!
وقد أكون مستغرقًا في مطالعة، أو منصرفًا إلى كتابة قد جمعتُ لها ذهني فيجيئني ضيف، فأنزل إليه لأسمع منه لغو الحديث، فيتفرق ما اجتمع من ذهني، وتفسد عليّ مطالعتي، وإن أنا بعثت من يقول له: «ليس هنا» أكون قد كذبت، وإذا اعتذرت إليه بمطالعتي أو كتابتي أكون قد قصّرت في «حقوق الضيافة»!.
_________________
(١) كان ذلك من قديم ثم صرت لا أستقبل أحدًا إلا بموعد.
[ ١٢٠ ]
وقد يأتي الضيف ومعه ولده، فيعبث بالكراسي والمناضد ويكسر الكأس، وربما أمره أبوه بأن يتسلى باللعب مع أولاد الدار، فينطلق كالجنّ فيفسد كل ما يمر عليه ويزعج الأهل ويأتي كل كريهة، فإذا زجرته أو كففته أو أفهمت أباه أنه ليس من الذوق ولا من التهذيب أن يحمل ابنه -أعني عفريته- إلى بيوت الناس، أكون قد فرطت في «حقوق الضيافة»!.
وإن كانت وليمة أو عقد ودعوت عشرين رجلًا، جاؤوك ومعهم عشرون ولدًا فتنقلب الدار إلى مدرسة أو إلى مارستان ويتحول المضيف إلى معلم أو قاضي أولاد، وقديمًا قال المثل العامي: «قاضي الأولاد شنق نفسه» فإذا وقفت على الباب خادمًا يمنع دخول الأولاد، غضب الآباء المدعوون، وانصرفوا ساخطين على هذا الذي لا يعرف «حقوق الضيافة»!.
وقد يكون لك عدو تعرَّض لك بأنواع الأذى، وأراك فنون العدوان ثم نشأت له حاجة عندك، فزارك في دارك، وأبى أن يشرب قهوتك حتى تقضي حاجته، وربما كانت حاجته أن تنجح ابنه في الامتحان فإذا قضيتها خنت أمانتك .. وإن أبيت عليه وأعرضت عنه، وأفهمته أن الامتحان أمانة، وأن ابنه ضعيف كسلان لا يجوز نجاحه، كنت الملوم المعاتب، لأنك لم تحفل «بحقوق الضيافة»!.
والضيف يزورك حينما يحلو له لا حين يحلو لك، ويبقى ما طاب له البقاء عندك، ولا شأن له بفراغك ولا بشغلك، ولا بضيق وقتك ولا بتعب أهلك ففي الغداة تجوز الزيارة، وفي الضحى وعند الزوال ساعة الغداء وفي الظل وقد الراحة، وفي الأصيل وفي الليل. وقد يصل الزائر هذه الأوقات كلها بعضها ببعض، فيشرفك بزيارته من الصباح ويلبث (يؤنسك) إلى وقت المنام، وقت منامه هو لا منامك أنت، وربما زارك أقرباؤك، أو أقرباء أقربائك بنسائهم ورجالهم وأطفالهم؛ وأقاموا عندك (صلة للرحم) أيامًا وليالي، ونغّصوا عليك عيشك، وأفسدوا نظام دارك، وأنت مضطر إلى السكوت لا تستطيع أن تقول
[ ١٢١ ]
شيئًا يمسّ (حق الضيافة). وربما زارك الزائرون في محل عملك، فشغلوك عنه وأكسبوك غضب رؤسائك، وسخط زملائك.
ولقد كان الكرم والشجاعة عماد الأخلاق عند العرب وشعارها وجماع أمرها، لمكان البداوة من حياتهم، فقد كانوا يعيشون في قفار قاحلة وقرى كالقفار، لا فندق فيها ولا مطعم ولا خان، وما للنازح فيها عن داره إلا أن ينزل ضيفًا على كريم يؤويه ويقريه، ولم يكن في بلادهم شرطة ولا نيابة ولا سجن فلم يكن للرجل إلا سيفه يعتصم به، فتعودوا الشجاعة والكرم حتى صار ذلك طبعًا لهم وخلقًا، وبالغوا فيهما وجانبوا القصد، فبلغوا التبذير وقاربوا التهور، وكان عذرهم في ذلك أن الرجل منهم يُطعِم حتى يطعَم، ويقري الطارق الغريب كي يُقرَى هو طارقًا غريبًا، واستمر ذلك إلى الإسلام بل لقد بولغ فيه بعده حتى أتى القوم بهذه العجائب التي نقرأ أخبارها في الكتب وانتهى ذلك إلينا فنشأنا على تقديس (حق الضيافة) وتقديمه على سائر الحقوق، ورفعه مكانًا عليًا لا يناله النقد ولا التقويم، واتهام من يقول فيه مثل مقالتي باللؤم والبخل. لذلك أقدمت عليها مترددًا يدفعني إليها أننا في مطلع حياة جديدة يجب في مثلها تمحيص الأخلاق والعادات وتقويمها والإبقاء على النافع منها وطرح ما لا فائدة منه بعد ما تغير الزمان، ولا يكون ذلك إلا بالخروج من ربقة التقليد الذي لا يفيد. ومنه تقليد أجدادنا الأولين في هذا الكرم القبيح الذي ذمه الله وسماه تبذيرًا، وجعل أهله إخوان الشياطين، والقصد في الأمر والتوسط فيه، ووضع الأمور في مطارحها ولو أن حاسبًا مستقريًا نظر فيما ينفق عندنا في كل سنة على الولائم والأعراس والمآتم من الأموال لهاله الحساب، ولرأى أن هذه الأموال التي تنفق فيما لا طائل تحته، ولا موجب له إلا التقليد الضار،! يمكن أن ينشأ بها من المدارس والمصانع ما يرفع أمتنا درجات في سلم الارتقاء في آن قريب، فضلًا عما يكون فيه من راحة البال، واضطراد الأعمال، ودفع المكاره التي ذكرت أمثلة عليها في مطلع هذا المقال.
وإذا كانت هذه الحاجة هي التي علمت أجدادنا هذا الكرم، فان حاجة
[ ١٢٢ ]
تدفعنا إلى الاستمرار عليه؟ وما هو الضرر الذي ينال الضيف إن قلت له: أنا الآن مشغول فزرني إن شئت في وقت آخر؟ ولم تخاف من ذلك وهو من آداب ديننا، وقد كان من خلائقنا قبل أن يتخلق به الإفرنج؟ وماذا يضمر الأهل والأقربين أن يهنئوا بالمولود فلا يشربوا (الكراوية)، وأن يحضروا (العرس) فلا يأكلوا الرز واللحم والبقلاوة، وما هم في صحراء كصحراء العرب يحتاج فيها إلى القرى، ولا هم جياع قد حضروا للطعام، وليس المقصد إلا الاجتماع وقد حصل؟ لقد خبرني صديق صادق مطلع أن نفقات عشر ولائم فقط من أوسط ما يكون في الأعراس أو المآتم تكفي لفتح مدرسة ابتدائية. تتسع لمائتي تلميذ، فما قولك بنفقات الولائم كلها وسكاكر الأعياد وهدايا الولادة والعرس؟
أنا لا أرتقب من الأمة أن تقرأ هذه المقالة وتنام ليلتها فتصبح وقد نبذت هذه العادات وحددت آداب الزيارة، وتنكبت سبيل التبذير، فإن هذا ما لا يكون، وإنما أرتقب أن أجد من القراء من وهبه الله الجرأة في الحق، والرغبة في الإصلاح فيسن للناس سنة (في هذا الباب) حسنة يكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، كما صنع في دمشق شيخها الشيخ طاهر الجزائري ﵀. وعادات الإفرنج في الزيارات والولائم أصلح في الجملة مما نحن عليه اليوم، وتقديرهم للوقت أشد، وهذا كله من آداب الإسلام، والسلف كلهم كانوا على مثله، فلنقتبسه عن الإفرنج إذا كنا لا نتبع فيه سلفنا الصالح، ولنجعل للزيارة آدابًا وأوقاتًا، ولنعلم أن (حق الضيافة) لا يقدم على حق المواعيد، ولا حق العمل، ولا حق الأهل؛ وإن ردَّ الضيف أهون من احتمال الأذى، وإخلاص الوعد، وترك العلم، وإضاعة الأشغال ولنجعل إمامنا قول الله جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ صدق الله العظيم.
***
[ ١٢٣ ]