وإذا نقلت من سعة إلى ضيق! وخانك الصاحب والرفيق! وهجرك الأخ والصديق!
وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر! وغطوك من بعد لين لحافك بتراب ومَدَر! فيا جامع المال والمجتهد في البنيان! ليس لك والله من مال إلا الأكفان! بل هي والله للخراب والذهاب! وجسمك للتُّراب والمآب!
فأين الذي جمعته من المال؟ ! فهل أنقذك من الأهوال؟ ! كلا بل تركته إلى من لا يَحمدك! وقدمتَ بأوزارك على من لا يعذرك! الإمام القرطبي.
أخي في الله: أرأيت هذا البحر الذي غرقنا فيه من لجج الغفلات! هل هو إلا بسبب طول الأمل؟ !
أخي: إن طول الأمل خلف كل بلية! فالكلُّ إذا أصبح ومسح النَّوم عن عينيه فتل الحبال الطوال من الآمال!
فيا لله! لقد افترشنا الآمال! والتحفنا الآمال! وتوسَّدنا الآمال! لا الكبير يردُّه دُنُوُّه من الأجل! ولا الصَّغير يرتدع بموت من هو في الصِّغَر!
أتَطْمَعُ أنْ تُخَلَّدَ لا أَبالَكْ أَمنْتَ من المنِيَّةِ أَنْ تَنَالَكْ
أَمَا والله إنَّ لَهَا رَسُولًا وأَقْسمُ لو أتَاكَ لما أَقالَكْ
كأنِّي بالتُّرابِ عَليكَ رَدْمًا وبالبَاكينَ يَقْتَسمُونَ مَالَكْ
فَلَسْتَ مُخَلِّفًا في النَّاس شيئًا ولا مُتَزَوِّدًا إلاَّ فِعَالَكْ
[ ١٩ ]
أخي: تَذكُّرُ الموت تِرياق نافع لعلاج داء (طول الأمل!).
فقد جاء أن امرأة جاءت إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ تشكو إليها قساوة قلبها! فقالت لها عائشة ﵂: (أكثري من ذكر الموت يرق قلبك!). ففعلت المرأة ذلك، فرقَّ قلبها! فجاءت تشكر عائشة ﵂.
أخي: ما أطال أحد الأمل إلا وركن إلى دنياه الفانية فأفنى أيامه في غير الطاعات .. وأضاع ساعات عمره في أحلام الأمنيات؛ قال الحسن البصري ﵀: (ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل!).
أخي: وقف عند هذه القصة مع الصالحين يعلِّمونك: ما هو طول الأمل؟ !
ففي لقاء جمع القلوب المؤمنة وهي تؤدي الصلاة، وفي الجمع قدوة الزُّهَّاد، وزينة العُبَّاد معروف الكرخي ﵀ فأقام معروف الصلاة ثم قال لمحمد بن أبي توبة: تقدَّم.
فقال محمد: إني إن صلَّيت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها.
فقال معروف: وأنت تحدِّث نفسك أن تصلِّي صلاة أخرى؟ ! نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل!
أخي المسلم: كم مضى من الدنيا؟ ! وكم هلكت من أجيال وأُمم؟ !
[ ٢٠ ]