القسم الثاني
التحقيق
للشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة (ت ٧٢٨) ﵀
ورحم جميع أموات المسلمين
[ ٨٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اعف واغفر.
قال الشيخ الإمام العامل شيخ الإسلام، مفتي الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية١.
فصل:
جعل الله - ﷾ - عباده المؤمنين بكل منزلة خيرًا منه، فهم دائمًا في نعمة من ربهم، أصابهم ما يحبون، أو ما يكرهون، وجعل أقضيته وأقداره التي يقضيها لهم ويقدرها عليهم متاجر يربحون بها عليه، وطرقًا يصلون منها إليه، كما ثبت في الصحيح عن إمامهم ومتبوعهم الذين إذا دعي يوم القيامة كل أناس بإمامهم دعوا به - صلوات الله وسلامه عليه -٢
_________________
(١) ١ افتتحت نسخة (ب) بعد البسملة بالعبارة التالية: "وصلي الله على سيدنا محمد، قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام، مفتي الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني ﵁". ٢ أخرج الخطيب في تاريخ بغداد (١/٣١٧) عن أنس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ الآية [٧١] من سورة الإسراء قال: "نبيهم"، وأورده السيوطي في الدر المنثور (٥/٣١٦) وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه. وروي مثله عن مجاهد أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/١٢٦)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (٥/٣١٦) وعزاه لابن المنذر.
[ ٨٨ ]
أنه قال: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله عجب لا١يقضي الله لمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له"٢.
فهذا الحديث يعم جميع أقضيته لعبده المؤمن وأنها خيرله إذا صبر على مكروهها وشكر لمحبوبها، بل هذا داخل في مسمى الإيمان كما٣ قال بعض السلف: "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر"٤ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ
_________________
(١) ١ في (ب): (ما) . ٢ أخرجه مسلم،كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير (٨/٢٢٧)، وأخرجه الإمام أحمدفي المسند (١/١٧٣)، وأخرجه الدارمي في سننه، كتاب الرقائق،باب المؤمن يؤجر في كل شيء (٢/٣١٨)، بلفظ: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير الحديث". ولم أقف على الحديث بلفظ: " كله عجب" كما أورده المؤلف. ٣ في (ب): "فإنه كما قال " ٤ أخرجه وكيع بن الجراح في الزهد (٢/٤٥٦) برقم (٢٠٣)،والطبراني في الكبير (٩/١٠٧)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٤/١٧١ ح ٤٩٧٦)، موقوفًا على ابن مسعود بلفظ: "الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله". والبخاري في صحيحه (١/٤٥) كتاب الإيمان باب قول النبي ﷺ: "بني الإسلام على خمس" تعليقًا واقتصر على شطر منه من قول ابن مسعود بلفظ: "اليقين الإيمان كله". والخرائطي في فضيلة الشكر لله على نعمته (ص ٣٩) برقم (١٨) بلفظ: "الإيمان نصفان: فنصف في الصبر ونصف في الشكر". وابن الأعرابي في معجمه (١/٣٠٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/٣٤)، وتمام في فوائده (٢/٤٠)، وأبو الحسن الأزدي في المجلس الأول من المجالس الخمسة (١٦-١٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/١٢٦ - ١٢٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/١٢٣) برقم (٩٧١٥)،والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢/٦٦١) برقم (١٥٨٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/٢٢٦)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٣٣٠-٣٣١)، والذهبي في مختصر العلل (٣/١١٢٥)، مرفوعًا بلفظ: "الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله" وابن أبي الدنيا في الشكر برقم (١٤) بلفظ: "الشكر نصف الإيمان، والصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله". والبيهقي في الزهد (١/٢٨) موقوفًا على ابن مسعود: "الإيمان نصفان، نصف في الصبر ونصف في الشكر".وقال: "قد روي هذا من وجه آخر غير قوي مرفوعًا"، وقال في الشعب: "والمحفوظ عن ابن مسعود من قوله غير مرفوع". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/٥٧) وقال عن إسناد الطبراني: "رجاله رجال الصحيح". والسيوطي في الجامع الصغير (مع الفيض ٤/٢٣٣) ورمز لضعفه، وأعله المناوي بيعقوب بن حميد، وهو ضعيف من قبيل حفظه. وقال الحافظ في الفتح (١/٤٨): "هذا التعليق طرف من أثر وصله الطبراني بسند صحيح، وبقيته: والصبر نصف الإيمان". وقال: "وأخرجه أبو نعيم والبيهقي من حديثه (أي ابن مسعود) في الزهد مرفوعًا ولا يثبت رفعه". وقال في اللسان (٥/١٥٢): "قال أبو علي النيسابوري: هذا الحديث منكر، لا أصل له من حديث زبيد ولا من حديث الثوري". ولم يحسنه غير العراقي في تخريج الإحياء (١/٧٢، ١/٢٣١) . وقال عنه الألباني كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/٥٠٦-٥٠٧) برقم (٤٩٩):"منكر". وخلاصة القول في هذا الأثر أنه صحيح موقوفًا، وضعيف مرفوعًا، وقول ابن تيمية هنا "قال بعض السلف" يؤيد بكونه موقوفًا.
[ ٨٩ ]
لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ١ وإذا اعتبر العبد الدين كله رآه يرجع بجملته إلى الصبر والشكر، وذلك لأن الصبر ثلاثة أقسام:
صبر على الطاعة حتى يفعلها، فإن العبد لا يكاد يفعل المأمور به إلا بعد
_________________
(١) ١ الآية [٥] من سورة إبراهيم والآية [٣١] من سورة لقمان والآية [١٩] من سورة سبأ والآية [٣٣] من سورة الشورى
[ ٩٠ ]
صبرٍ ومصابرة ومجاهدة لعدوه الباطن والظاهر١، فبحسب هذا الصبر يكون أداؤه للمأمورات وفعله للمستحبات.
النوع الثاني: صبر عن المنهي عنه٢ حتى لا يفعله، فإن النفس ودواعيها، وتزيين الشيطان، وقرناء السوء، تأمره بالمعصية وتجرئه عليها، فبحسب قوة صبره يكون تركه لها، قال بعض السلف: أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يقدر على ترك المعاصي إلا صديق٣.
النوع الثالث: الصبر على ما يصيبه بغير اختياره من المصائب وهي نوعان:
نوع لا اختيار للخلق فيه، كالأمراض وغيرها من المصائب السماوية، فهذه يسهل الصبر فيها، لأن العبد يشهد فيها قضاء الله وقدره، وإنه لا مدخل للناس فيها، فيصبر إما اضطرارا، وإما اختيارا، فإن فتح الله على قلبه باب الفكرة في فوائدها وما في حشوها٤ من النعم والألطاف٥ انتقل من الصبر عليها إلى الشكر
_________________
(١) ١ في (ب): "الظاهر والباطن ". (عنه) ساقطة من (ب) . ٣ أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (١٠ /١٩٧) بإسناده عن سهل بن عبد الله التستري ضمن كلام له طويل بلفظ "ليس من عمل بطاعة الله صار حبيب الله، ولكن من اجتنب ما نهى الله عنه صار حبيب الله، ولا يجتنب الآثام إلا صديق مقرب، وأما أعمال البر يعملها البر والفاجر". ٤ معنى الحشى: الناحية، والمقصود نواحيها أو داخلها. انظر: لسان العرب مادة (حشا) (١٤/١٨٠-١٨١) . ٥ اللطيف من الكلام: ما غمض معناه وخفي، واللطف في العمل: الرفق فيه. انظر: لسان العرب مادة (لطف) (٩/٣١٦) .
[ ٩١ ]
لها والرضا بها، فانقلبت حينئذ في حقه نعمة، فلا يزال هجيرى١ قلبه ولسانه٢ رب أعني على ذكرك٣ وشكرك٤ وحسن عبادتك٥، وهذا يقوى ويضعف بحسب [قوة] ٦ محبة العبد لله وضعفها، بل هذا يجده أحدنا في الشاهد كما قال الشاعر٧ يخاطب محبوبا له [ناله ببعض ما يكره] ٨:
لئن ساءني أن نِلتِنِي بمساءة
لقد سرني أني خطرت ببالِكِ٩
النوع الثاني١٠: أن١١ يحصل له بفعل الناس في ماله أو عرضه أو نفسه.
_________________
(١) ١ أي دأبه وشأنه. انظر: لسان العرب مادة (هجر) (٥/٢٥٤) . ٢ في (ب): "ولسانه فيها". (ق ٢/ب) . (شكرك) ساقطة من (ب) . ٥ يشير إلى حديث معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: "يا معاذ والله إني لأحبك، فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، أخرجه أبو داود في سننه (٢/١٨١) كتاب الوتر باب في الاستغفار برقم (١٥٢٢) . والنسائي في سننه (٣/٥٣) كتاب السهو باب نوع آخر من الدعاء. والإمام أحمد في المسند (٥/٢٤٥،٢٤٧) . ٦ ساقطة من (أ) . ٧ في (ب): (بعض الشعراء) . ٨ ساقطة من (أ) . ٩ انظر ديوان ابن الدمينة (ص١٧) تحقيق أحمد راتب النفاخ، مكتبة دار العروبة ط الأولى عام ١٣٧٩. ١٠ في (أ): (الثالث)، وفي (ب): (الرابع) والصواب ما أثبته. ١١ في (ب): (إذا) .
[ ٩٢ ]
فهذا النوع يصعب الصبر عليه جدًا، لأن النفس تستشعر المؤذي لها١، وهي تكره الغلبة، فتطلب الانتقام، فلا يصبر على هذا النوع إلا الأنبياء والصديقون، وكان نبينا ﷺ إذا أوذي يقول: يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر٢ وأخبر عن نبي من الأنبياء أنه ضربه قومه فجعل يقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" ٣ وقد روي عنه ﷺ أنه جرى له هذا مع قومه [فجعل يقول مثل ذلك] ٤، فجمع في هذا ثلاثة أمور: العفو عنهم، والاستغفار لهم، والاعتذار عنهم بأنهم لا يعلمون، وهذا النوع من الصبر عاقبته النصر والعز٥ والسرور والأمن والقوة في ذات الله، وزيادة محبة الله ومحبة الناس له وزيادة العلم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا
_________________
(١) (لها) ساقطة من (ب) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (٢٨)، رقم (٣٤٠٥) . ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم (٣/١٠٩) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (٥٤) رقم (٣٤٧٧) . ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد، باب غزوة أحد (٥/١٧٩) . ٤ ساقط من (أ) . وهذا الحديث رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لما قسم رسول الله ﷺ غنائم حنين بالجعرانة ازدحموا عليه فقال رسول الله ﷺ: "إن عبدًا من عباد الله بعثه الله إلى قومه فضربوه وشجوه قال: فجعل يمسح الدم عن جبهته ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. قال عبد الله: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يمسح الدم عن جبهته يحكي الرجل ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، أخرجه الإمام أحمد في المسند (٧/ ٣٧٦) برقم (٤٣٦٦)،ط. مؤسسة الرسالة وقال محققه: صحيح لغيره. ٥ في (ب): (والنصر والهدى) .
[ ٩٣ ]
صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ١ فبالصبر واليقين تنال٢ الإمامة في الدين، فإذا انضاف إلى هذا الصبر قوة اليقين والإيمان ترقى العبد في درجات السعادة بفضل الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ يعني: الأعمال الصالحة مثل العفو والصفح٣ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ٤ نصيب وافر وهي الجنة٥.
ويعين العبد على هذا الصبر عدة أشياء:
_________________
(١) ١ الآية [٢٤] من سورة السجدة. ٢ في (ب): (فالصبر واليقين ينال) . ٣ جملة "يعني الأعمال الصالحة مثل العفو والصفح" ساقطة من (ب) . ٤ الآيتان [٣٤،٣٥] من سورة فصلت.
[ ٩٤ ]