فمن تمام محبة الشيء محبة محبوب المحبوب وبغض بغيضه ويشهد لهذا الحديث أوثق عري الإيمان الحب في الله والبغض في الله
وفي السنن: "من أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان".
فمن أحب شيئا لذاته أو عظمه لذاته غير الله فذاك شرك به وإن أحبه ليتوصل به إلى محبوب آخر وتعظيم آخر سوى الله فهو من فروع هذا والله سبحانه لم يشرع أن يعبد الإنسان شيئا من دونه أو يتخذ إلها ليتوصل بعبادته كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾
فمن أحب شيئا كما يحب الله أو عظمه كما يعظم الله فقد جعله لله ندا وإن كان يقول إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفي وأنهم شفعاؤنا عند الله
[ ١٠٢ ]
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ أي يحبونهم كما يحبون الله والذين آمنوا أشد حبا لله منهم لأنهم أخلصوا لله فلم يجعلوا المحبة مشتركة بينه وبين غيره فإن الاشتراك فيها يوجب نقصها والله لا يتقبل ذلك كما في الحديث الصحيح يقول الله تعالى " أنا أغني الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك"
فالمؤمن الذي يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما لا بد أن يكون ما أحبه الله ورسوله أحب إليه مما لم يحبه الله ورسوله وأن يبغض ما يبغضه الله ورسوله فلا يكون ذلك البغيض أحب إليه من محبوب الله ورسوله
والحب التام منا مستلزم للإرادة التامة الموجبة للفعل مع القدرة والبغض التام منا مستلزم للكراهة التامة المانعة للقدرة فإذا كان العبد قادرا على محبات الحق ولا يفعلها فلضعف محبتها في قلبه أو وجود ما يعارض الحق مثل محبته لأهله وماله فإن ذلك قد يمنعه عن فعل محبوب الحق
كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾
وقال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من
[ ١٠٣ ]