المنظر الأول
(في بيت عاتكة بنت عبد المطلب)
عاتكة: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك، فإنهم إن سمعوها آذونا وأسمعونا ما لا نحب.
العباس: حدّثيني، فسأكتم الحديث.
عاتكة: رأيت راكبًا قد أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: "ألا فانفروا يالَ غُدَر (١) إلى مصارعكم في ثلاث"، فأرى الناس اجتمعوا إليه. ثم دخل المسجد والناس
_________________
(١) (*) نُشرت في «الرسالة» قبل صدور كتاب «محمد» لتوفيق الحكيم. وقد حوّلت فيها ما جاء في السيرة النبوية إلى تمثيلية من غير أن أبدل فيه شيئًا أو أزيد عليه شيئًا.
(٢) أي يا آل غدر، والغادر والغدّار هو الذي ينقض العهد ويترك الوفاء، ويُقال في حالة النداء خاصة: يا غُدَر! (مجاهد).
[ ٣٢٣ ]
يتبعونه، فبينما هم حوله مَثُلَ (١) به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها، ثم مثل به على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت (٢)، فما بقيت دار من دور مكة إلا دخلها منها فلقة.
العباس: إن هذه رؤيا حق، فاكتميها ولا تذكريها لأحد.
المنظر الثاني
(في الحرم وقد غابت الشمس وجلست قريش في مجلسها من حول الكعبة)
أبو جهل في رهط من قريش يتحدثون برؤيا عاتكة.
أبو جهل: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل علينا.
(يقبل العباس)
أبو جهل: يا بني عبد المطلب! متى ظهرت فيكم هذه النبية؟
العباس (متجاهلًا): وما ذاك؟
أبو جهل: الرؤيا التي رأت عاتكة؟
العباس: وما رأت؟
_________________
(١) مَثُلَ به: قام به منتصبًا (مجاهد).
(٢) ارْفَضَّ وترفّضَ الشيء: تفرق (مجاهد).
[ ٣٢٤ ]
أبو جهل: كأنك لا تدري؟ ألم تحدّث بذلك الوليدَ بن عتبة؟ أما رضيتم - يا بني عبد المطلب - بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء؟ زعمَتْ عاتكة في رؤياها أنه قال: "انفروا في ثلاث". فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يكن حقًا فسيكون، وإن تمضِ الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب.
العباس (وقد غضب): هل أنت منتهٍ يا مصفّرًا استه؟ فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك.
(يهم به فيحول القرشيون بينهما)
القرشيون: ما كنت - يا أبا الفضل - جَهولًا.
المنظر الثالث
(في بطن الوادي صباحًا)
العباس (لرجل معه): لقد لقيت من عاتكة أذىً شديدًا لما أفشيت من حديثها، ولم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني تقول: أقررتم أقررتم لهذا الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت. فوالله لأتعرضن له، وإن عاد قاتلته، فلقد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه.
الرجل: انظر يا أبا الفضل، هذا أبو جهل خارجًا من باب المسجد يشتدّ.
[ ٣٢٥ ]
العباس: ما له لعنه الله؟ أكل هذا فرَقًا مني؟ اذهب فانظر ما شأنه.
(يذهب الرجل ويرجع على عجل)
الرجل: (مضطربًا): ألا تسمع؟
العباس: ماذا؟
الرجل: هذا ضَمْضَم بن عمرو الغِفاري يصرخ ببطن الوادي وقد شق قميصه، وحوّل رحله، وجدع بعيره! اسمع
(يتقدمان ويصغيان)
ضمضم: يا معشر قريش، اللطيمة! اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان قد عَرَض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها. الغوث، الغوث!
(حركة واضطراب ولغط وصيحات حماسية)
رجل: هذه والله رؤيا عاتكة!
آخر: والله إن أخذ محمد العير لا تفلح قريش أبدًا.
آخر: انفروا إلى مصارعكم في ثلاث. إن رؤيا عاتكة كأنها أخذ باليد.
أبو جهل: هه! أيظن محمد أنها كعير ابن الحضرمي؟ والله ليعلمن غير ذلك، إنها قريش!
[ ٣٢٦ ]
سهيل بن عمرو: يا آل غالب! أتاركون أنتم محمدًا والصُّباة من أهل يثرب يأخذون أموالكم؟ من أراد مالًا فهذا مالي.
(يتفرق الناس، يستعدون للخروج)
المنظر الرابع
(في الحرم وقت الظهيرة،
أمية بن خلف وسعد بن معاذ سيد الأوس وهو ضيفه وخليله)
أمية: تعَالَ فطُفْ بالبيت، فإنه وقت الظهيرة ولا يراك أحد.
(يطوف بالبيت ويجلس أمية)
أبو جهل (قادمًا): من هذا الذي يطوف بالبيت؟
سعد: أنا سعد بن معاذ.
أبو جهل: ماذا؟ أتطوف بالبيت آمنًا، وقد آويتم محمدًا وأصحابه وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم؟! أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعتَ إلى أهلك سالمًا.
سعد: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه: طريقك إلى الشام.
أمية (لسعد): لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي.
[ ٣٢٧ ]
سعد (لأمية): إليك عني، فإني سمعت محمدًا يقول إنه قاتلك!
أمية: إياي؟
سعد: نعم.
أمية: بمكة؟
سعد: لا أدري.
أمية: والله ما كذب محمد.
(يسقط أمية خائرًا): إذن والله لا أخرج من مكة، إذن والله لا أخرج من مكة
المنظر الخامس
(في الحرم مساء، قريش في مجالسها، عقبة بن أبي معيط قادم على مجلس أمية معه مجمرة فيها بخور، أبو جهل على إثره)
أمية: ويلك! لمن هذا؟
عقبة: لك يا أبا علي. قم استجمر فإنما أنت من النساء.
أمية: قبحك الله وقبح ما جئت به.
(يصل أبو جهل)
[ ٣٢٨ ]
أبو جهل: يا أبا صفوان، إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت من أشراف قريش تخلفوا معك، فسر يومًا أو يومين.
أمية: أفعل!
(يمشي عقبة وأبو جهل إلى عتبة وشيبة ابنَي ربيعة وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام)
أبو جهل: أنتم سادة قريش وأنتم قادة الناس، فما بالكم لا تتجهزون؟
عتبة: لقد استقسمنا بالأزلام فخرج الناهي.
عقبة: كلا؛ ولكنه الفزع من اللقاء.
عتبة: ألمثلي يقال هذا؟ والله لولا أنك عند بيت الله
أبو جهل: دعه يا أبا الوليد، فإنك اليوم شيخ قريش؛ فإذا لم تخرج أقام الناس.
عتبة: سأخرج.
المنظر السادس
(يفصلون من مكة، وهم ألف رجل فيهم شيوخ قريش وأشرافها قد خرجوا على الصعب الذلول، ومعهم القَينات يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين، وقد ارتجّ بهم الوادي)
[ ٣٢٩ ]
المنظر السابع
(ماء في البادية، عليه خباء رجل وعليه جاريتان تختصمان، يقف عليه رجلان من المسلمين فيستقيان)
الجارية: لا أدعكِ حتى تقضيني الذي لي
الأخرى: دعيني، فستأتي العير غدًا أو الذي بعده، فأعمل لهم، فأقضيك.
الرجل: لقد صدقت، فستأتي العير غدًا أو بعد غد.
(يسمع الرجلان فيجلسان على بعيريهما ليلحقا بالمسلمين. أبو سفيان يأتي بعد قليل يتقدم العير وحده)
أبو سفيان: هل أحسست أحدًا أيها الرجل؟
الرجل: ما رأيت أحدًا أنكره، إلا أن راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما وانطلقا.
أبو سفيان: أرني مبرك ناقيتهما.
الرجل: هو ذاك
(يأتي أبو سفيان المبرك فيأخذ من أبعارهما في يده، ويمضي مسرعًا فينجو بالعير)
أبو سفيان: هذا هو النوى، هذه والله علائف يثرب.
[ ٣٣٠ ]
المنظر الثامن
(في جيش المسلمين في زفران، وقد جاءهم الخبر بمسير قريش ليمنعوا عيرهم)
قال رسول الله ﷺ: «إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذَلول (١)، فما تقولون؟ العير أحب إليكم من النفير؟».
رجل: عليك بالعير ودع العدو.
آخر: هلاّ ذكرت لنا القتال حتى نتأهّب! إنا خرجنا للعير.
(يتغير وجه رسول الله ﷺ)
المقداد بن الأسود: يا رسول الله! امضِ لما أمرك الله فنحن معك. والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. والله الذي بعثك بالحق نبيًا، لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه؛ نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، حتى تبلغه.
(يشرق وجه رسول الله ﷺ)
المسلمون: كلنا ذاك الرجل يا رسول الله، ولكننا ظننا أن في العير قوة للإسلام.
_________________
(١) الذَّلول هو السهل الانقياد. ويقال: «ركب القوم كل صعب وذَلول في أمرهم»: أي اتخذوا كل سبيل (مجاهد).
[ ٣٣١ ]
قال رسول الله ﷺ: أشيروا علي.
عمر: يا رسول الله، إنها قريش وعزها. والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلنك، فتأهب لذلك أهبته وأعدد له عدته.
قال رسول الله ﷺ: أشيروا علي أيها الناس!
سعد (١): لعلك تريدنا - معاشر الأنصار - يا رسول الله؟
قال رسول الله: أجل.
سعد: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. ولعلك - يا رسول الله - تخشى أن تكون الأنصار ترى عليك ألا ينصرونك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فَصِلْ حبالَ من شئت، وخُذْ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت لنا، وما أمرت فيه من أمرٍ فأمرُنا تبع لأمرك. فامضِ يا رسول الله لما أردت ونحن معك. والذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصُبُر في الحرب، صُدُق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تَقَرُّ به عينك. فسر بنا على بركة الله.
_________________
(١) ابن عبادة كما قيل، وابن معاذ على الأصح، وإذن يكون قد لحق رسول الله ﷺ بعد أن كان بمكة لما علم بخروجه.
[ ٣٣٢ ]
قال رسول الله ﷺ: «سيروا وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، فوالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم».
المنظر التاسع
(ماء في البادية عليه شيخ من العرب يقدم عليه رسول الله ﷺ وأبو بكر الصديق ويسألانه عن قريش)
- ماذا تعرف عن قريش؟
الرجل: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما!
قال رسول الله ﷺ: إن أخبرتنا أخبرناك.
الرجل: ذاك بذاك.
قال الرسول ﷺ: نعم.
الرجل: بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا، فإن كان صَدَق الذي أخبرني فهم اليوم في مكان كذا.
أبو بكر (لنفسه): لقد عرف مكاننا.
الرجل (متممًا): وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا، فإن صَدَق الذي أخبرني فهم اليوم في مكان كذا. فمَن أنتما؟
قال النبي ﷺ: نحن من ماء.
الرجل (متعجّبًا): من ماء؟ أمن ماء العراق أم من ماء الشام؟
[ ٣٣٣ ]
المنظر العاشر
(في بدر، على الماء الأدنى من المدينة)
الحُباب بن المنذر: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل؟ أهو منزلٌ أنزلَكَه الله تعالى ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.
الحباب: يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتنزله، ثم نغور ما عداه من القلب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه، فنشرب ولا يشربون.
قال النبي ﷺ: لقد أشرت بالرأي.
(يتقدم المسلمون)
المنظر الحادي عشر
(في بدر، على الماء الأدنى من القوم)
سعد: يا نبي الله! ألا نبني لك عريشًا من جريد تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله تعالى وأظهرَنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا؟ فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم، لهم رغبة في الجهاد ونية، ولو ظنوا
[ ٣٣٤ ]
أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، إنما ظنوا أنها العير، يمنعك الله بهم ويناصحونك ويجاهدون معك.
قال رسول الله ﷺ: «أو يقضي الله خيرًا من ذلك يا سعد».
المنظر الثاني عشر
(قريش في الجحفة في طريقهم إلى بدر)
رسولٌ: يا معشر قريش! قد أرسلني إليكم أبو سفيان أنه قد نجا بالعير، فارجعوا فأحرزوا عيركم.
أبو جهل: سوأةً لك! والله لا نرجع حتى نحضر بدرًا فنقيم عليه ثلاثة أيام، ننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان، فلا يزالون يهابوننا أبدًا.
الرسول: هذا بغي، والبغي منقصة وشؤم.
أبو جهل: صه! قطع الله لسانك.
الأخنس: لقد صدق الرسول، وأنا راجع بقومي.
(لقومه): يا بني زهرة! قد نجى الله أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي حميتها وارجعوا فإنه لا حاجة بكم إلى أن تخرجوا في غير منفعة.
(ضجة وهياج ولغط ينفرد الأخنس بأبي جهل)
الأخنس: أترى محمدًا يكذب؟
[ ٣٣٥ ]
أبو جهل: ما كذب قط، كنا نسميه «الأمين». لكن إذا كانت في بني عبد المطلب السقاية والرفادة والمشورة ثم تكون فيهم النبوة، فأي شيء يكون لنا؟
الأخنس: أنت والله تحسده.
(يرجع الأخنس وبنو زهرة)
عمير بن وهب (قادمًا): يا معشر قريش! لقد ذهبتُ في الوادي أحرز أصحاب محمد، أنظر هل للقوم كمين أو مدد، فأبعدت فلم أر شيئًا، وإنهم لثلاثمئة رجل، يزيدون قليلًا أو ينقصون قليلًا. ولكني رأيت المطايا تحمل المنايا: نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، ألا ترونهم خرسًا لا يتكلمون، يتلمظون تلمظ الأفاعي، لا يريدون أن ينقلبوا إلى أهليهم، زرق العيون كأنها الحصى تحت الجحف، ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم؟ والله ما نرى أن نقتل منهم رجلًا حتى يُقتل رجل منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم.
حكيم بن حزام (لعتبة): يا أبا الوليد! إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، فهل لك إلى خصلة لا تزال تُذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟
عتبة: ما ذاك يا حكيم؟
حكيم: ترجع بالناس، وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي.
عتبة: هذا والله الرأي، فادعُ لي الناس.
[ ٣٣٦ ]
(يدعو الناس)
عتبة (خطيبًا): يا معشر قريش! إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لا يزال رجل منكم ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه وابن خاله ورجلًا من عشيرته. ارجعوا وخلّوا بين محمد وسائر العرب، فإن أصابوه فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك كفاكم ولم تعرّضوا منه ما تريدون. يا قوم! اعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جَبُنَ عتبة، وأنتم تعلمون أني لست بأجبنكم. يا قوم! أطيعوني فإنكم لا تطلبون غير دم ابن الحضرمي وما أخذ من العير، وقد تحملت ذلك. يا معشر قريش! أنشدكم الله في هذه الوجوه التي تضيء ضياء المصابيح أن تجعلوها أندادًا لهذه الوجوه التي كأنها عيون الحيات.
(يسكت عتبة ويلغط القوم لغطًا شديدًا)
رجل: نِعِمّا يقول أبو الوليد!
آخر: هو والله الرأي.
آخر: عتبة سيد الناس فأطيعوه.
عتبة (لحكيم): انطلق إلى ابن الحنظلية.
(يذهب حكيم)
حكيم (لأبي جهل): إن عتبة أرسلني إليك لترجع بالناس، وهو يحمل دم حليفه ابن الحضرمي.
أبو جهل: أهو يقول هذا؟ والله لو قالها غيره لأعضضته.
[ ٣٣٧ ]
انتفخ والله سحره! كلا والله، لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد.
(يرسل أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي)
أبو جهل (لعامر): هذا حليفك، عتبة بن ربيعة، يريد أن يرجع الناس ويخذلهم عن القتال، وقد تحمل دية أخيك من ماله يزعم أنك قابلها. ألا تستحي أن تقبل الدية من مال عتبة وقد رأيت ثأرك بعينك؟ فقم واذكر مقتل أخيك.
(عامر يتكشف ويحثو عليه التراب)
عامر (صائحًا): واعمراه واعمراه!
(يهيج الناس ويتحمسون)
حكيم (لعتبة): لقد أثارها.
عتبة: دعه، فسيكون شؤمًا وبلاء على قومه.
المنظر الثالث عشر
(اشتعلت الحرب وقتل المسلمون عتبة وشيبة والوليد،
ورجع سراقة، وكان قد أجارهم من كنانة)
أبو جهل: يا معشر الناس! لا يهمنّكم خذلان سراقة، فإنه كان على ميعاد من محمد. ولا يهمنّكم قتل عتبة وشيبة والوليد، فإنهم قد عجّلوا. واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمدًا وأصحابه
[ ٣٣٨ ]
بالحبال. يا معشر قريش! لا تقتلوهم، خذوهم أخذ اليد.
(يخرج رسول الله ﷺ من العريش فيحض الناس على القتال)
«أما والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم رجل فيُقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة».
(عمير بن الحمام يأكل تمرات في يده)
عمير: بخٍ بخٍ ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟
(يلقي التمرات ويتقدم)
عمير (هاجمًا):
ركضًا إلى الله بغير زادِ
إلا التّقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهادِ
وكلُّ زادٍ عُرضةُ النفادِ
غير التقى والبر والرشاد
(تزداد الحرب اضطرامًا)
المنظر الرابع عشر
(قريش تنهزم. ابن مسعود يفتش بين القتلى عن رجل)
عبد الله: هل أخزاك الله يا عدو الله؟
[ ٣٣٩ ]
(يضع رجله على عنق أبي جهل وهو على آخر رمق)
أبو جهل: وبِمَ أخزاني؟ أعْمَدُ (١) من رجل قتلتموه! أخبرني، لمن كانت العاقبة: لنا أو علينا؟
عبد الله: بل لله ورسوله!
المنظر الخامس عشر
(في الحرم، وقد جلس أبو سفيان وأبو لهب
في ناس من قريش ينتظرون الأخبار)
أبو لهب: هذا ابن عبد عمرو. ما وراءك يا ابن عبد عمرو؟
ابن عبد عمرو: فنيت قريش! قُتل أبو جهل وعُتبة وشيبة وزمعة وأمية بن خلف لقد ظهر الإسلام، فسيظل غالبًا إلى يوم القيامة وذَلَّ الشرك فلا يعز أبدًا.
* * *
_________________
(١) أَعْمَدُ بمعنى: أعجبُ، وقيل معناه أتوجع وأشتكي. وذكر صاحب اللسان خبر قتل أبي جهل ومقالته هذه ثم قال: قال أبو عبيد: معناه هل زاد على سيدٍ قتله قومه، هل كان إلا هذا؟ أي أن هذا ليس بعار، ومراده بذلك أن يهوّن على نفسه ما حل به من الهلاك. انتهى كلام أبي عبيد (مجاهد).
[ ٣٤٠ ]