إسرائيل كانت في النساء» [رواه مسلم].
كأنَّ محاسنَ الدُّنيَا ساربٌ وأيُّ يد تنازلت السَّرَابَا
فيا عجبًا تموتُ وأنتَ تبني وتتَّخذُ المصانعَ والقبابَا
أراك وكلَّما فَتَّحْتَ بابًا من الدنيا فَتَحتَ عليكَ نابَا
ألمْ تَر أنَّ غُدوةَ كل يوم تزيُدكَ من منيَّتك اقترابَا
أخي المسلم: حقًا لا يعشق الدنيا إلا ناقص في رأيه .. معكوس في سعيه! ولك أخي أن تنظر في هذا التعليم البديع من النبي - ﷺ - لأصحابه الأبرار - ﵃ -، إذا مرَّ ذات مرة بالسوق والناس من حوله فإذا بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟» فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ ! قال: «أتحبون أنه لكم؟» قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه لأن أسك فكيف وهو ميت؟ ! فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم»! [رواه مسلم].
يا بَانيَ الدَّار المُعدَّ لهَا ماذَا عملتَ لداركَ الأخْرَى
ومُمهِّدَ الفُرُش الوَثيرة لا تُغفلْ فراشَ الرَّقْدَة الكُبرى
++ ولقد دعيتَ وقد أجَبْتَ لما تُدعَى له فانظُرْ لما تُدْعَى
ثم أخي أليس من زهادة الدنيا وحقارتها أن المؤمن لا يجد سعادته إلاَّ في دار القرار؟ !
مرَّت جنازة على النبي - ﷺ - فقال: «مستريح ومستراح منه» قالوا: يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه؟ قال: «العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله ﷿ والعبد
[ ١٠ ]
الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشَّجر والدواب» [رواه البخاري ومسلم].
أخي في الله: ما أسعد أهل الزهادة غدًا .. نظروا لأنفسهم فهضموا حظوظها في دار الفناء .. ليسعدوا في دار البقاء ..
قال علي - ﵁ -: «طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا أرض الله بساطًا، وترابها فراشًا، وماءها طيبًا، والكتاب شعارًا، والدعاء دثارًا، ورفضوا الدنيا رفضًا».
وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «من أراد الآخرة أضَرَّ بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضَرَّ بالآخرة، يا قوم فأضروا بالفاني للباقي».
وقال أبو واقد الليثي - ﵁ -: «تابَعْنَا الأعمال أيها أفضل؟ فلم نجد شيئًا أعون على طلب الآخرة من الزهد في الدنيا».
وقال محمد بن كعب القرظي ﵀: «إذا أراد الله بعبد خيرًا أزهده في الدنيا وفقهه في الدين وبصره عيوبه ومن أوتيَهُنَّ فقد أوتىَ خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة».
أخي المسلم: وأنت على مركب الزهد، لا يفوتنك أن تقف أخي عند أقسام الزهد، لتقف على تلك الأطلال عن قُرب .. عساك أن تحتذى آثار الزاهدين ..
فتشبَّهُوا بالكرام إن لم تكونوا مثلهمُ إن التَّشبُّه بالكرام فَلاحُ
أخي: إليك درجات الزهد .. «الدرجة الأولى: الزهد في
[ ١١ ]
الشبهات: ولا يكون ذلك أخي إلاَّ بعد تركك للحرام فالشبهات برزخ بين الحلال والحرام.
الدرجة الثانية: الزهد عن الفضول: وهو ما زاد عن الحاجة، اغتنامًا لعمارة الوقت قال - ﷺ -: «إنما يكفي أحدكم ما كان في الدنيا مثل زاد الركب» مع قطع طمع النفس في التعلق بالدنيا، فلا يتعلق بها في حالتي الترك أو الأخذ، فإن الزهد زهد القلب.
الدرجة الثالثة: الزهد في الزهد: فيرى أن زهده في الدنيا ليس بشيء إذ أنها لا تسوي عند الله جناح بعوضة، بل يرى أن أخذ ذلك وتركه سواء إذ أنه لا يسوى شيئًا، وهذا من دقائق فقه الزهد ويرى أيضًا أن الله تعالى هو المتفضل عليه في زهده في الدنيا أو أخذه منها، فإذا جمع العبد ذلك فهو الغاية في الزهد» [الإمام ابن القيم/ باختصار].
أخي في الله: أوَ مَا تشتهي أن أُتحفَك بعبارات العارفين .. الزاهدين .. وهم يُعرِّفُونَك بهذا الطريق، ويدُلُّونك على معالمه؟
فهذا شقيق البلخي ﵀ يقول: «ثلاث خصال هي تاج الزهد؛ الأولى: أن يميل على الهوى لا يميل مع الهوى.
والثانية: ينقطع الزاهد إلى الزهد بقلبه.
والثالثة: أن يذكر كلما خلا بنفسه كيف مدخله في قبره، وكيف مخرجه ويذكر الجوع والعطش والعري وطول القيامة والحساب والصراط وطول الحساب والفضيحة البادية، فإذا ذكر ذلك شغله عن ذكر دار الغرور، فإذا كان ذلك كان من محبي
[ ١٢ ]
الزهاد، ومن أحبهم كان معهم».
أيُّها الباني قُصُورًا طوالًا أينَ تبغي هل تُريدُ السَّحَابَا
إنَّما أنتَ بوادي المنايا إنْ رمَاكَ الموتُ فيه أصَابَا
أيُّها الباني لهدم اللَّيالي ابن ما شئتَ سوفَ تَلْقَى خَرابَا